بـ «توقيت القاهرة» .. الزمن أبطأ والمفاجآت أكثر وأسرع

بـ «توقيت القاهرة» .. الزمن أبطأ والمفاجآت أكثر وأسرع
عنوان "توقيت القاهرة" يعكس محاولة للهروب من الزمن المتسارع في الغرب.
بـ «توقيت القاهرة» .. الزمن أبطأ والمفاجآت أكثر وأسرع
تتعجب "جولييت" كثيرا من وجود مقاه يرتادها الرجال فقط.

"هنا نؤمن بالقدر". تلك العبارة تبدو كأنها تجسد الفرق ما بين الثقافتين الغربية والشرقية حين يتفوه بها الرجل الشرقي طارق للكندية جولييت، وهو يشرح لها الاستسلام للقدر في المجتمعات الشرق أوسطية، وذلك في الفيلم الكندي "توقيت القاهرة". الفيلم درامي عاطفي من إنتاج عام 2009، للمخرجة الكندية ربى ندى، وهي من أم فلسطينية وأب سوري. وقد فاز بجائزة أفضل فيلم روائي كندي في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي لذات العام.

يجسد فيلم "توقيت القاهرة" قصة تدور حول جولييت، وهي محررة صحفية في مجلة "فو" الكندية تقوم بزيارة القاهرة بهدف التقاء زوجها مارك موظف الأمم المتحدة، في إجازة مخططة لقضائها معه، لتكتشف فور وصولها أنه مضطر إلى البقاء في غزة، لتبتدئ رحلتها مع الانفراد بالذات وبآمالها ورغباتها وإحباطاتها، في الوقت ذاته الذي تنغمس فيه بالثقافة الشرقية، ويتعالى احتمال انغمار في الحب مما لا يعد فكرة جديدة للحب خلال السفر، ما يزيد من كلاسيكية الفيلم حبكة ومضموناً.

وقد برعت في تأدية دور جولييت الممثلة الأمريكية باتريشيا كلاركسون، التي تحبذ اختيار الأفلام المستقلة الأكثر عمقاً، وتلائم لون بشرتها الشديدة البياض وشعرها الأشقر مع دورها كأنها تجسد الغرب باختلافه وثقافته الاستكشافية، كما يظهر حين يسألها طارق زميل زوجها السابق في الأمم المتحدة "ماذا ترغبين في القيام به"؟ لتجيب ببساطة تجسد شغفها "أن أستكشف". لا يمنعها استياؤها من ارتفاع درجة الحرارة فور وصولها من الغوص في الحياة الجديدة حتى تقمصها. تجذب حواسها الموسيقى التي تصدح في كل مكان، ما يدفعها إلى انبهار تلقائي لصوت أم كلثوم حتى إن لم تتمكن من فهم معانيها. الأمر الذي يعكس ذلك التوق الدفين لديها نحو العاطفة والافتتان بكل شيء في الحياة، سواء في علاقتها القريبة البعيدة مع زوجها مارك، أو مع المجتمع الشرقي الذي تطمح في اكتشافه، وتأمل آثار حضاراته السابقة التي تفتتن بها، وتتصدر ذلك زيارة الأهرامات، التي تكرر بشغف رغبتها في زيارتها مع زوجها حين عودته من غزة.

"لطالما لم أفهم مصطلح الشرق الأوسط. أوسط ماذا"؟ تظهر تعليقات الصديق الشرقي الجديد كأنها تجسد التهكم من تحكم الغرب في إطلاق تسميات قد لا تجسد الثقافة الشرقية. طارق الذي نجح في أداء دوره الممثل البريطاني السوداني الأصل ألكسندر صديق، الذي أخفى خلف هدوئه افتتاناً بالمرأة التي عمل جاهداً في استعراض القاهرة أمامها. وقد نجح الفيلم في إبراز ذلك النضج العاطفي ومحاولة موازنة الأمور الحياتية مع الواقع، من خلال الحبكة تارة واختيار ممثلين في سن ناضجة وشخصيات آسرة ولها حضور قوي.

ما تميز به إخراج الفيلم من جهة هو قدرته على تجسيد القاهرة بتصوير كلاسيكي بانورامي بديع، يحمل قبساً من المنظور الغربي للمحيط وذلك الفضول والرغبة في استكشاف ثقافة الآخر. وتجسيد المقاهي والشوارع والنساء المحجبات، فيما يظهر الغربيون بثياب أثرية أشبه بما كانوا يرتدونها قديماً في رحلاتهم الاستكشافية بألوان يغلب عليها الكاكي والبني والأبيض وما يتقارب معها. المشاهد تجعلك تتخيل مصر قديماً.
#2#
تعزز من ثقافة المكان مؤثرات صوتية بديعة تعكس أصوات الشارع كأبواق السيارات وصوت الأذان، بل حتى خطبة الجمعة بصوت خافت يظهر وكأنه خلفية عاكسة للوضع. فحتى الضوضاء هناك تتجسد بأسلوب بديع كأنها أصوات تتداخل مع أحداث الفيلم وتتناغم مع موسيقى مؤثرة تارة عربية قديمة كأغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وتارة غربية أثيرية.

"ما بينك أنت ومارك قد يكون بإمكانك إنقاذ الشرق الأوسط بأكمله". محاولة الرجل الأبيض التدخل في تفاصيل الحياة الشرقية والسعي في إصلاح المجتمع، تظهر من خلال بعض الحوارات، فيما من جهة أخرى تتصاعد مواقف تبرز الافتتان بالعرق الأبيض بشكل عام والمرأة الغربية بشكل خاص، والنظر إليهما كأنهما مخلوقات فضائية غرائبية. أو تهافت على الجانب الآخر من الحياة، ومحاولة استكشاف ثقافة جديدة وأشخاص ينتمون إلى بيئة، وآخرين مختلفين.

وإن ظهرت بعض الهفوات في الفيلم، كخلط لهجات محكية عربية ليست دائماً مصرية. وابتعاد الفيلم في أحايين عديدة عن إبراز الثقافة المصرية، وإظهارها من منظور غربي بحت يجسد الأماكن التراثية والصحراوية التي قد تنتمي لأي بلد يمتلك طقساً حاراً وأماكن متصحرة. الفيلم يجسد تلك النظرة الحالمة الأثيرة للشرق الأوسط أو التي تشير إلى الطابع الشرقي بشكل عام.

اختيار الفيلم عنوان "توقيت القاهرة" يعكس محاولة للهرب من الزمن المتسارع في الغرب والانتقال إلى توقيت مصر، حيث العمل أقل والحياة أكثر هدوءا بعيداً عن قلق وضوضاء الحياة الغربية، وإن كان هناك إزعاج من نوع آخر كاكتظاظ الشوارع بالناس والسيارات. تجبر الحياة في الشرق الأوسط على الانغماس في العلاقات الإنسانية بدل ذلك. فاضطرار جوليا إلى البقاء وحدها في بلد غريب عنها كالقاهرة عمق من احتمال الوقوع في الحب، مع بطء الوقت ونمط الحياة، هي التي اعتادت أن تعيش للعمل وللغير.

الفيلم يجسد الاحتمالات في الحياة وفرضياتها، احتمال الوقوع في الحب، والهرب من الماضي والمسؤوليات التي أثقلت عاتق المرء في بلده، والبحث عن عالم آخر ساحر بغموضه وتسلطه وضياع الصوت الأنثوي فيه في ظل السلطة الذكورية، ويتجلى ذلك من خلال النظرات الفضولية تجاهها كامرأة حتى إن تقدم بها العمر، في الحين الذي تصاب فيه بالاندهاش بوجود مقاه يرتادها الرجال فقط. فيلم من هذا الطراز يدفعك للنظر إلى القاهرة من منظور يبرز جمالياتها، وإن كانت الأحداث بطيئة إلى حد ما، إلا أنها تشي بما هو أشبه بمحاولة التقاء الغرب بالشرق.

الأكثر قراءة