«شارل أزنافور» .. غنّى عن معاناة «فنان فاشل» فحقق النجاح
عندما سئل: كيف ترى نفسك؟ قال "أعتبر نفسي بوهيميا، أو شقيا باريسيا في رحلة". وفي ردّه على سؤال: كيف هي حياتك اليومية؟ أجاب: الأمر بسيط جدا، أستيقظ باكرا، أكتب أحيانا، أو أعزف على البيانو لساعات، حتى لو لم ينتج ذلك عملاً. ثم أتناول الغداء مع العائلة. أحبّ ذلك كثيراً. في فترة ما بعد الظهيرة، أشاهد أحياناً فيلماً أو فيلمين. في اللّيل أستلقي على الفراش باكرا، أقرأ، وأقوم بعمل شيء ما لمدة نصف ساعة، على سبيل المثال محاولة تعلّم لغة أجنبية، لو لم أكن أفعل ذلك، ما كان لي أن أتقن لغات عدّة على الإطلاق.
ولو لم يفعل ذلك، لما كان أحد الأيقونات العالمية في الغناء والموسيقى والالتزام، وفي جعل الحب ثقافة ونمط حياة. بحسب موقع "ذوات" الإلكتروني. إنه شارل أزنافور الذي احتفل في أيار (مايو) الماضي بعيد ميلاده الحادي والتسعين، الذي غنى في دبي لأول مرة في شباط (فبراير) الماضي، بحضور ألفي شخص اشتروا بطاقات حفلته قبل شهرين من انطلاقها.
ويعد أزنافور أسطورة الغناء الرومانسي في فرنسا، وغالباً ما يوصف بأنه "فرانك سيناترا الفرنسي"، وقد خصص مجمل أغنياته للحب والجمال، حيث كتب أكثر من ألف أغنية، كما ألّف مسرحيات موسيقية، وقدم أكثر من مائة ألبوم، ومثّل في أفلام الستينيات. وباع أكثر من مائة مليون أسطوانة.
أزنافور يغني بأكثر من خمس لغات عالمية، وهي الفرنسية والروسية والإنجليزية والأرمينية والإيطالية والإسبانية، ولذلك يعد المغني الفرنسي الأكثر شهرة خارج بلده، حصلت أغنيته "هي" She على المرتبة الأولى لأعلى مبيعات في المملكة المتحدة في السبعينيات، ومنحه الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان المواطنة الفخرية. وكان في طليعة الجهود التي يبذلها المجتمع لمساعدة ضحايا كارثة زلزال عام 1988 الذي دمر جزءاً كبيراً من شمال أرمينيا.
يعتز شارل أزنافور كثيراً بأصوله الأرمينية، ويقول "إن أرمينيا وشعبها في قلبه ودمه"، فقد ظل يشعر بالانتماء لأرمينيا، على الرغم من أنه ولد في باريس، بعد أن قام أبواه بالهجرة إلى فرنسا، والاستقرار بها هرباً من الإبادة الجماعية للأرمن، التي طالت كثيرا من أقاربهم، فكانوا من ضحايا تلك المجازر.
وتعتز أرمينيا وتفتخر بابنها شارل أزنافور، وأقامت له تمثالاً في أهم ميادين العاصمة الأرمينية، كما عمل سفيراً لأرمينيا في سويسرا، ولها غنى واحدة من أجمل أغنياته بعنوان "من أجلك أرمينيا" بصحبة 88 من المطربين.
أنهى أزنافور إنتاج ألبومه الغنائي الجديد، وهو الألبوم رقم 51 في سلسلة ألبومات تزدان بأجمل وأعذب الأغاني، ولم يكتف أزنافور بكتابة وتلحين الأغاني التي يبدعها بحنجرته، بل كتب ولحّن لكثير من المطربين الفرنسيين والعالميين، على غرار إديث بياف، جوني هاليدي، إيدي ميتشل.
يذكر أنه بعد أن سمعها تغني في القاهرة، قام شارل أزنافور بترشيح أم كلثوم لتغني على مسرح الأولمبيا في باريس، وتحقق ذلك، في ليلة الأربعاء 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967. وكان أزنافور قد وجه، فيما بعد، دعوة إلى الفنانة اللبنانية فيروز لتغني على المسرح نفسه. وكان يبدي إعجابه بغناء عبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، وسواهما من المطربين العرب. وربما يجهل البعض أن صاحب رائعة "البوهيمية"، كتب ولحّن للشّاب مامي، أغنية جميلة – لم تنل حظها من الانتشار – حملت عنوان "تعال يا حبيبي!"، وردت في ألبوم "دلالي"(2001).
ولأنه وأهله قد كابدوا آلام التهجير واللجوء، فقد كان لأزنافور موقف متقدم من هذه القضية الإنسانية، فقد صرح أنه على استعداد لاستقبال مهاجرين في منزله، قائلاً "علينا ألا ننسى ما قدمه المهاجرون لهذا البلد من أمثال بيكاسو وبييار وكلوران وآخرين كثر". وكان أزنافور قد عبر عن تأثره العميق بما يجري الآن وبأحوال اللاجئين المزرية، وقال "أتخيل ما حدث لوالديّ عندما غادرا أرمينيا متوجهين إلى فرنسا".
وأضاف "إنني أقف مع أولئك الذين يطرقون الأبواب وليس مع أولئك الذين يغلقونها"، في إشارة إلى موقف جهات سياسية عديدة تدعو إلى منع توافد اللاجئين، كالجبهة الوطنية المعروفة بمواقفها المناوئة لوجود الأجانب في فرنسا.
تزوج أزنافور ثلاث مرات، ولديه ستة أبناء. بدأ الغناء في عمر التاسعة، وجاءت فرصته من خلال المغنية إديث بياف التي سمعته يغني ورتبت لتأخذه معها في جولاتها الغنائية في فرنسا والولايات المتحدة. وفي ألبومه الجديد، يغني عن "الجميلة إديت" تكريماً لمن ساعدته واحتضنته وأسكنته منزلها، وصعدت به نحو النجوم.
وسبق لأزنافور أن وقف يوماً على خشبة المسرح، يغني لجمهور يستمع إليه في جمود تام من دون إبداء أي من تعبيرات الإعجاب بما يقدمه، وكان في ذلك اليوم مستعداً تماماً للتوقف عن الغناء والتخلي عن حلم حياته، فقد نصحه كل من استشارهم من أساتذة ونقاد بذلك، بأنه لا يجب أن يغني، وعليه أن يكتفي بالعمل كشاعر غنائي أو كمدير أعمال لدى غيره من الفنانين، إلى أن غنى آخر أغنياته في ذلك اليوم، وكانت عن معاناة "فنان فاشل"، تفاعل الجمهور معه، وانطلق إلى عالم الشهرة.
"مع غصن من حنين"، من أجمل عناوين ألبومه الجديد، أغنية كتبها أزنافور تعبيراً عن حنينه لكل من فقد من أحبة، وأصدقاء، رحلوا... ولا يزال يتذكرهم على الرغم من حياته المزدحمة، وأوقاته الممتلئة بالعمل، على الرغم من أنه يعيش بصحبة زوجته "أولا"، التي وجد معها الاستقرار بعد زيجتين فاشلتين، ويعيش معها منذ ما يزيد على 47 عاماً.
وأزنافور تم اختياره من قبل قناة الـ سي إن إن. بوصفه أهم مبدع غنائي في القرن، واعتبر في أهم تصويت أنه يقف إلى جانب ألفيس بريسلي وبوب ديلان. وقد غنى للرؤساء والملوك والشعب في آن واحد. وغنى للأحداث المؤلمة التي مرت بها الإنسانية. ويصنفه النقاد بأنه الحنجرة الفرنسية التي تعبق بتاريخ الكلاسيكية الرومانسية المرهفة، حيث يأخذ جمهوره في كل حفلة من حفلاته إلى مطارح العشق الأخرى: النبل والشهامة والرقة والحنان والوفاء.