لأجل الحب .. الحياة بين واقع وحلم
"ليتهم يعلمون.. أنهم لم يخلقوا من الأصل إلا كي يحبوا. عبادتهم حب..إيمانهم حب.. تحملهم كل ما في الدنيا من تخبّط عشوائي حب". يحاول كل عمل أدبي أو سينمائي أن ينقل رسالة أو مبدأ يؤمن به صاحب العمل. وفي العمل السينمائي "هيبتا: المحاضرة الأخيرة" تظهر محاولة لإحياء الحب ومعانيه في عصر السرعة والعلاقات التي تتلف في أسرع وقت، وتحويل ذلك إلى نظرة للحب كونه يعطي الحياة معنى جميلاً.
ما بين الفيلم والرواية
الفيلم المصري درامي عاطفي من إخراج هادي الباجوري لعام 2016، الذي حقق تهافتاً جماهيرياً ضخماً، ما أدى إلى نفاد التذاكر في صالات السينما والتسبب في اكتظاظ جماهيري أمام شباك التذاكر فور افتتاح الفيلم.
من الجدير بالذكر بأن العمل السينمائي مقتبس من رواية بالعنوان ذاته للروائي المصري محمد صادق التي طبع منها 28 طبعة خلال تسعة أشهر من إطلاقها، وهو ما يعتبر رقماً ضخماً لرواية في العالم العربي، ما يجعلها تعد من الروايات الأكثر مبيعاً.
ما الذي يجعل العمل متميزاً؟
لم أجد في الرواية خصائص تجعلها تستحق ذلك العدد الكبير من المبيعات. بل إن للروائي محمد صادق أعمالاً أخرى ك"إنستا_حياة" تحمل فكرة وقالباً بعيداً عن النمطية أكثر من "هيبتا"، التي اختار لها صادق حبكة من منظور راو يسبح ويرقص في صفحات الرواية باستعلاء، ويظهر في الفيلم على هيئة الممثل ماجد الكدواني ليقوم بتأدية دور شخصية الدكتور "شكري مختار" الذي تم تغييره من "أسامة حافظ" في الرواية، المختص النفسي في التنمية الذاتية الذي يقوم بإلقاء محاضرة لا تتجاوز الست ساعات عن العلاقات العاطفية والطبقات النفسية للشخوص الذين يمرون بالمراحل التي تعيشها قصص الحب، ليعطي أحكاماً ووصايا مسبقة يفرضها على الآخرين مثل: "كل ثانية يوضع أمامك اختيار بسيط قد يجعل الحياة كلها مختلفة... وكل ثانية تختار أن تؤجل القرار خوفاً، فتظل كما أنت".
وإن كان اختيار الحبكة من وجهة نظر الراوي وهو المختص النفسي يظهر كشخص متذاك أدّى إلى إقحام آراء تبدو أقرب إلى الوعظ ومحاولة توجيه الآخرين من شخص مثقف عميق الفكر يود أن يتعالى على الآخرين ويحاول الكشف عما لم يدركونه من قبل.
يمر الحب حسب منظور مختص الحب بسبع مراحل قام بتحليلها وتشريحها حتى الوصول إلى مرحلة "الهيبتا" بمعنى رقم سبعة باللغة الإغريقية أو ما يرمز إلى الكمال وهو ما يود الروائي أن يرمز فيه إلى مراحل الحب المكتمل في سياق الرواية. يأتي التطرق إلى كل تلك المراحل عبر أربع قصص واقعية تتقاطع لتصب في معاني المراحل السبع للحب، وقد اكتفى الراوي بتسمية الأبطال بحروف رمزية "أ" و"ب" و"ج" و"د". وإن ظهرت القصص الأربع في البداية على أنها شديدة التباين بدءاً بقصة طفل في السابعة يكن الحب لصديقته في المدرسة، وتتدرج لآخر يتعالج في مستشفى وينتظر باستماتة زيارة محبوبته وهو في مرحلة المراهقة وتنتهي بشخص غامض يرغب في إنهاء حياته وعلاقته بأخرى تغرقه بالسأم. لتظهر تدريجياً أوجه الشبه ما بين القصص، ومرورها بالمراحل السبع سواء فشلت العلاقة أم نجحت. أما ما يلفت الانتباه فهو كون أغلب الشخوص لديهم نقص عاطفي ابتدأ منذ الطفولة واستمر ليكون شرخاً في حياتهم واحتياجاً سافراً للآخر، ما يفضي إلى نبذه كل من يحاول الدخول مرة أخرى إلى حياته.
الأمر الذي يلحظه من قرأ أعمالاً أخرى للروائي مع وجود ثيمات خاصة فيه واهتماماً بالتحديد في البحث عن الآخر وأزمة اكتشاف الذات، والقلق النفسي والوجع والشعور بالانخداع الذي قد يؤدي إلى انتحار شخصية أو أكثر.
ما يزعج في الرواية إلى جانب الوعظ المستمر، هو تكلف محمد صادق في استخدام اللغة المحكية بمعنى "العامية" في الحوار بين الشخصيات، إلى الحد الذي قد يتسبب في إزعاج القارئ الباحث عن عمق الكلمات، بل وتكرار كلمات سليطة مزعجة مثل: "يا حمار"، بأسلوب قد يبدو مضحكاً للبعض. إلا أن الجميل في الرواية هو تحليل العلاقات بطريقة تهكمية تسرد لتصدق الحلم في بداياته وتصدق استحالتها لفتور أو حتى مقت للخصال التي كانت من قبل تثير الاهتمام.
كالعلاقة الأثيرية بين شاب يائس وفتاة لمحها فوق سطح مجاور وهو يحاول الانتحار. وقرر أن ينبذ كل المخططات العقلانية ويتزوجها دون تفكير مسبق. وكأن كل المخططات العقلانية لا معنى لها. وكأن ذلك يأتي إيمانا بالتالي وهو جزء مقتبس من الرواية "لا توجد حقيقة مطلقة.. مجرد أكاذيب عشقوا تصديقها..".
أما العمل السينمائي بحد ذاته فقد تفوق على الرواية بمراحل عديدة. سواء بنجاحه في تعميق ارتباط المشاهد بالشخصيات، أو في نقل تفاصيل الرواية بصورة شمولية تحمل أدق التوصيفات. وذلك ما يدل على تألق المخرج وطاقم التمثيل.
#2#
يظهر عبر تصوير "هيبتا" طابع أقرب إلى الجو الكلاسيكي الحالم باستخدام ألوان داكنة تعطي إحساساً بالنوستالجيا والحنين للماضي، والغوص في عوالم دفينة تتمازج معها موسيقى وأغان مرتبطة بالحبكة، التي هي الأخرى لاقت إقبالاً جماهيرياً كبيراً، كأغنية دنيا سمير غانم "هيبتا" التي وصلت إلى ما يزيد على 14 مليون مشاهد. الفيلم من جهة أخرى ركز على لغة الجسد والوجه وتقريب الكاميرا منها إلى التركيز على طريقة التعبير عن الأحاسيس عبرها.
حتى إن الفيلم في عدد من مشاهده يركز على ملامح الحضور أثناء استماعهم المحاضرة بمن فيهم زوجته التي قامت بأداء دورها نيللي كريم، لتبوح ملامحها وحدها بقلقها على صحته أو اندماجها مع قصصه التي يبدو عليها أنها استمعت إليها من قبل. أو الحضور العارضي لكل من شيرين رضا وكندة علوش وأحمد بدير، الذي على الرغم من اختصاره إلا أنه يترك تأثيراً ساحراً في المشاهد. طاقم التمثيل عدده كبير من النجوم، يزخر بقدرات بديعة في تجسيد الأحاسيس التي تنبض إما بالفرح أو الألم.
"منذ أن خلقت وأنت تسقط سقوطاً حراً"
مراحل الحب العديدة تضمنت مرحلة الجنون والحلم، ما يفضي فيما بعد إلى مرحلة الحقيقة التي لا يتبقى فيها من كل ما سبق إلى التعرف على حقيقة الشخص الآخر واكتشاف عيوبه التي كان من قبل مفتتناً بها. أو مرحلة الإدراك.. إدراك المسؤولية. إلا أنها من جهة أخرى تعكس تلك السمات المخفية في أعماق كل شخص. وقد بدا الرائع عمرو يوسف في أجمل قصة تعكس الوصول إلى القاع وإلى المرحلة الأخيرة من القنوط كما تم وصفه في الرواية بأنه "هو شخص اعتاد تماماً أن يقتل كل ما بداخله"، لتأتي رؤى فتنتشله من أعمق حالات انهياره بصورة سرمدية خرافية لامرأة تحتل سطحاً مجاوراً، لتتألق بهذا الدور الممثلة ياسمين رئيس، بنجاحها في تجسيد دور المرأة الجريئة بشخصية نزقة تحمل شغفاً متطرفاً بالحياة وعدم اكتراث بالآخرين. تلك القصة تبدو كمسيرة حياة كاملة بمراحلها العديدة التي تصل إلى تساؤل متكلف "كيف عرفت أن تنتزعه من كل آلامه في تلك الليلة.. وكيف عرفت أن تعيد كل الآلام في أشهر قليلة".
وتنبع قصة أخرى جميلة من خلال إعجاب علا بشخصية الفنان الذي يحاول انتزاعها من علاقتها مع خطيبها، ليستحيل ذلك فيما بعد إلى مرحلة عدم الرضا والرغبة في تغييره وجعله شخصية أكثر مسؤولية. وقد برع في تأدية دور شخصية الفنان النزق الشاب أحمد داود.
"الإرادة الحرة .. لعنة كل الخطايا.."
جميع تلك القصص المتقاطعة تظهر نظرة عاطفية للحياة وإن كانت تحمل طيفاً تشاؤمياً من الحب والحياة والتجارب. "الألم يغير كل شيء حقاً." إلا أنه في نهاية المطاف تظل كل تلك التجارب وكأنها سر من الأفضل الابتعاد عن تفسيره. وكأن كل ذلك يناقض محاولة التوجيه والوعظ المستمرة في العملين الروائي والسينمائي. إذ: "هناك أشياء إن بررناها، أصبحت في نظر أنفسنا أقل بكثير..".