«عباس كيارستمي».. أفلام تومض شعرا وتمقت رتابة السرد

«عباس كيارستمي».. أفلام تومض شعرا وتمقت رتابة السرد

شعرية السينما 

لعل أفضل طريقة لدخول عالم المخرج السينمائي الإيراني عباس كيارستمي الذي رحل آخيرا عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، هو التأمل في أسلوبه المبتكر في صوره المشاركة في المعرض الثنائي مع مواطنه وصديقه النحات برويز تانفولي الذي أقيم في جاليري ميم بدبي قبل سنوات، وذلك بمناسبة الاحتفال بمرور خمسة عقود على انطلاق مسيرتهما الفنية.

تضمن المعرض ثلاث عشرة صورة فوتوغرافية التقطها كيارستمي على الطريق المؤدية إلى بحر قزوين شمال طهران أثناء بحثه عن مواقع لتصوير أفلامه، وتظهر في الصور أشجار عارية الأوراق في فصل الشتاء، وحولها غربان تقفز بمرح على صفحات الثلوج البيضاء، أو تقف ساكنة على أغصان السرو العالية.

كيارستامي الذي حصل على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة قبل أن يبدأ عمله كمصمم للرسوم البيانية، استفاد من الفوتوغرافيا في تعميق رؤيته نحو العالم من حوله، واكتشف مبكرا قدرة الخيال في ترميز جوهر الحقيقة في صورة شاعرية معبرة، وأتاحت له أيضا اكتشاف جماليات الصورة وإتقان صياغة المشهد كما يكتب الشاعر قصيدته. هذه الشعرية أصبحت علامة فارقة في أعماله السينمائية اللاحقة، تمرن على إدراجها في متن السيناريو بفضل عين الخيال التي ترى للأشجار أرواحا عاشقة للربيع والمطر، وهو ما زال يعتبر الفوتوغرافيا وسيطا أنقى وأكثر تجريدا من الفيلم، لأنها تخلصت من عبء السرد ومقصد الترفيه.

أسلوبه في التقاط الصور يعكس طريقته في تأمل الأشياء من حوله، عندما يسير لمسافات طويلة بعيدا عن ضجيج المدينة، ويقترب من الكائن في تلك اللحظة التي تسمح برؤيته ممتزجا مع حزن الطبيعة دون استخدام الفلاتر أو عدسة مكبرة، مبتكرا تقنيات جديدة في التصوير حتى يحصل على نتائج فاتنة مثل منظر آثار محراث الحقول على أديم الأرض، وسرب الطيور الهائمة في سماء رمادية، وكذلك مشهد شوراع المدينة عبر الزجاج الأمامي للسيارة في يوم ماطر.

سينمائي "مناضل"

ولد كيارستمي لعائلة من الطبقة المتوسطة في طهران عام 1940 م، والده، أحمد كان رساما على الجداريات والسقوف، وكان من المتوقع أن يرث الطفل مهنة أبيه، درس عباس الرسم والتصميم الجرافيكي في جامعة طهران، وعمل بعد تخرجه في تصميم الملصقات والإعلانات التلفزيونية وكتب الأطفال المصورة.

انتقل بعد ذلك للعمل في قسم صناعة الأفلام في معهد التنمية الفكرية للأطفال. وأنجز عددا من الأفلام القصيرة الهادفة. وعرض أول أفلامه المسافر (1974) عن فتى عمره عشر سنوات يحتال للحصول على ما يكفي من المال لكي يغادر قريته الصغيرة لتحقيق حلمه لاعبا في فريق كرة قدم بالعاصمة.

وهو يدرك جيدا أن ثقافة الشعوب حول العالم تختلف بما تحمله من فوارق في اللغة والدين والعرق، ولكن يجمعها شيء مشترك واحد هو تشابه التجارب والمواقف والمشاعر الإنسانية في الحياة اليومية، والأطفال ينظرون إلى العالم نظرة بريئة ويعتقدون أن الجميع سواسية، لكنهم يتعلمون لاحقا لعبة البحث عن الاختلافات بين الأشياء المتناظرة. لذلك حاول حاول أن يستعيد تلك البراءة عندما أسند بطولة فيلمه إلى طفل صغير في فيلم «أين بيت الصديق» (1987) يسافر تلميذ صغير من قرية ريفية إلى قرية أخرى لإعطاء زميله دفتر الواجبات حتى لا يتعرض للعقاب من معلم المدرسة في مغامرة تتحدى السلطة الأبوية، تلك المنطقة تعرضت للدمار من جراء زلزال 1990، وعاد إليها لمتابعة تصوير فيلمه بعد عامين "الحياة ولا شيء أكثر من ذلك" عن محاولة أب للعثور على أطفال مفقودين بين الأنقاض، وينهي الثلاثية بفيلمه "أشجار الزيتون" عن رجل يتزوج قبل يوم من الزلزال، ويصور حياة العريسين بعد الكارثة.

واستمر في مزج الوثائقي والدراما في أفلامه اللاحقة، عندما أعاد تركيب حادثة غريبة سينمائيا عن عامل مطبعة عاطل عن العمل، يتم الحكم عليه عليه بالسجن بعد انتحاله شخصية المخرج السينمائي المعروف محسن مخملباف لغرض السرقة في فيلم «كلوز أب» (1990)، يقول كيارستمي: «جوهريا، ما يتعامل معه الفيلم هو الاختلاف بين «النفس الخيالية» و«النفس الحقيقية». كلما كان الاختلاف كبيرا، ازداد الشخص اضطرابا عقليا وساء توازنه».
#2#
كيارستامي الذي يعتبر من المخرجين الأكثر ابتكارا في عالم السينما اليوم والفائز بـ «السعفة الذهبية» في مهرجان كان عن فيلمه البديع «طعم الكرز» (1997) الذي يحكي عن رحلة رجل يرغب في الانتحار ويبحث عن شخص يساعده في تنفيذ رغبته الأخيرة، ويروي في فيلم «ستأخذنا الريح معها» (1999) قصة مخرج أفلام وثائقية يسافر مع طاقمه إلى قرية كردية نائية على أحد التلال المنحدرة لتوثيق طقوس جنازة امرأة مسنة على حافة الموت. واختار الممثلة الفرنسية «جوليت بينوش» لتكون بطلة فيلمه «نسخة طبق الأصل» (2010) حول لقاء عابر بين فرنسية تعمل في متحف صغير جاليري، وناقد فني بريطاني يتحدث معها في نزهة بالسيارة خلال إقليم توسكانا الإيطالي عن السبب في اختلاف الأذواق بين الناس، وما وظيفة الفن فيقول: " طريقتنا في النظر إلى الأشياء هي ما يحدد قيمتها بالنسبة إلينا، نضع شيئا مألوفا في متحف، ونغير طريقة نظر الناس إليه، لا يهم ماهو الشيء، وأنما النظرة التي تهم".

من خلال حوار صاخب في مطعم نكتشف أنهما زوجان منفصلان منذ سنوات، كاشفا عن مصدر الصراع بينهما العائد لغياب فهم الطبيعة البيولوجية للطرفين، وعدم مقاومة السلطات بجميع أنواعها، والاستسلام للفشل في مواجهة صعاب الحياة.

شعر وفن تجريدي

الطبيعة تشبه المرآة، يساعدنا التأمل فيها على فهم الذات البشرية العميقة، وكيارستمي انحاز إلى الشعر وليس إلى الرواية عندما يصنع أفلامه، لأنك لا تحتاج إلى قراءة الرواية الموجودة أكثر من مرة واحدة، ولكنك تعيد قراءة النصوص الشعرية دائما، وهو لا يعتبر الفيلم مجرد سرد حكاية وإثارة التشويق عن طريق الحبكة أو صنع المفارقة، وإنما يعتبرها فنا تجريديا قائما بذاته، وهو لا يقدم إجابات واضحة على أسئلة محددة أو يدعو المتفرج إلى حل الكلمات المتقاطعة، إذ يترك له الخيار متاحا، وتأتي نهاية أفلامه مفتوحة على جميع الإحتمالات من أجل التأمل العميق في مصير الشخصيات والتماهي معها، وقد يبدو المشاهد العادي حائرا عند نهاية الفيلم الذي يصعب نسيانه، وربما لزم الأمر مشاهدة الفيلم أكثر من مرة حتى يصل إلى فكرته الخاصة وتأويله المختلف عن الآخرين بناء على مخياله وخبراته الشخصية، لأن الحديث هنا عن الجانب الروحاني غير المرئي في هذا العالم المادي الذي يسعى كيارستمي لتناوله في أفلامه كما في فيلمه "الريح سوف تحملنا إلى هناك"، لا نرى شخصيات الفيلم لكن نشعر بوجودها، والغاية من ذلك اكتساب منظور جديد للإمساك بما لاتراه العين خارج مجال الرؤية البصرية، وهذه هو الفرق بين سينما كيارستمي والسينما اليوم المعتمدة على الإثارة والإبهار التي لا تترك أيء شيء لخيال المشاهدين.

تتضمن أغلب أفلامه على لقطات طويلة لأبطاله وهم يقودون السيارة على الطرق في المدينة والضواحي، اعتاد على وضع كاميرا ساكنة على سطح متحرك مثل السيارة، وهذا هو المكان المفضل لديه لتصوير شخصين متجاورين يدور بينهما حوار حميمي وليسا متقابلين في جدل ساخن. في هذا الحيز يمكن للشخوص التفاعل مع بعضها عبر النظر إلى الطرف الآخر لمعرفة ردة فعله، أو التجاهل والصمت المطبق. وتأتي أهمية هذا النوع من الحوار في كونه وسيلة للمصارحة وكشف الأسرار بين شخصيات مستقلة التفكير تخالف التوقعات المفروضة. وفي هذه المساحة يمكن للمشاهد ملاحظة تطور المشاعر العاطفية من الهدوء إلى الانفجار خاصة عندما يكون هناك ازدحام مروري. طبعا لا يوجد هناك متسع لطاقم التصوير، ولذلك هناك تركيز عال لتصوير لقطات عفوية استثنائية وأداء بسيط وطبيعي من الممثلين، بينما يقف المخرج مستمتعا مثل المشاهد لا يمارس أي سلطة تفسيرية بالتقييم أو الانتقاد أو حتى أن ينطق تلك الكلمة الفظيعة لفريق العمل: أوقفوا التصوير.

الأكثر قراءة