جيل الألفية.. عزلة «الاتصال الدائم» وكثافة إحباطاته

جيل الألفية.. عزلة «الاتصال الدائم» وكثافة إحباطاته
جيل الألفية.. عزلة «الاتصال الدائم» وكثافة إحباطاته

على الرغم من أن هنالك مبالغة في الفروق بين الأجيال في بيئة العمل، يواجه جيل الألفية (وهم الأشخاص الذين وصلوا إلى سن البلوغ في نحو عام 2000) تحدياً فريداً من نوعه، وذلك لواقع الاتصالات الحديثة المستمرة على مدار الساعة وفقا لإيمرسون سيربا الباحث في علوم الاتصال الحديث. وفي قراءة تحليلية لصالح مجلة هارفارد العلمية يستعرض سيربا عددا من السلبيات التي يعانيها جيل الألفية تحديدا من مقارنات قاسية ظالمة بالمبالغة في تمجيد قصص نجاح فردية غير واقعية وكل ذلك في وسط اتصالي حديث يشجع على عزلة إلكترونية سطحية مقابل العزلة الأهم؛ عزلة البحث التأمل والتفكير.

مقارنة قاسية

سمعت هذا مراراً وتكراراً من أفواه هذا الجيل عبر سلسلة من مئات المقابلات التي أجريت معهم في المملكة المتحدة، وحسب وصف أحدهم، "نُقارن أنفسنا بلا توقف مع من حولنا ومع من نعتبرهم قدوة لنا، وإذا لم نستطع فعل شيء استثنائي أو يُشعرنا بالأهمية والرضا عما نعمل فإننا نقسو على أنفسنا بشدة".

#2#

تسبب قسوة هذه المقارنة شعوراً بالتوتر والشك في الذات، كما سمعت مراراً وتكراراً عن مدى المقابلات، ولو أردنا معالجة هذه المشكلة فعلينا أن نعرف سبب حدوثها. أظهرت مقابلاتي ثلاثة أسباب بالتحديد: العروض الزائفة للإنجازات على منصات التواصل الاجتماعي، ومشاركة قصص الأشخاص فائقي النجاح، وارتفاع عدد الخيارات والاختيارات المتاحة أمام هذا الجيل في وظائفهم المهنية.

تشويه الإنجازات

يقول أفراد هذا الجيل إنهم يشعرون بالضغط لمُجاراة إنجازات نظرائهم التي تُبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقالوا إنه لا يسعهم سوى الاستمرار في المقارنة مع إنجازاتهم الشخصية (أو عدمها). من المثير للاهتمام، أن العديد ممن لاحظوا أن النجاحات المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت "مُنمقة" وتتجاهل التحديات اليومية للحياة، وتعمل على إبراز النجاحات. على الرغم من إدراك هذا الجيل تلك الحقيقة، فإنهم يقضون جزءاً طويلاً من أوقاتهم مرتبطين بأشكال التواصل المختلفة، لذا فالمقارنات ستكون حتمية، وكذلك المشاعر المُحبطة التي تأتي معها. تشير دراسة حديثة أجرتها جامعة ميتشيجان إلى أنه كلما زاد استخدام الشخص للفيسبوك، استاء شعوره.

قصص النجاح

قد يصنع حماس الإعلام لقصص نجاح اليافعين انطباعات خاطئة. صنعت قصص نجاح عدد صغير من أفراد هذا الجيل، الذين حققوا أرباحا طائلة من بيع الشركات الناشئة، أو تسلقوا سلم الترقيات في الشركات الكبيرة، أفكاراً خاطئة عن النجاح للأفراد الذين هم في مقتبل حياتهم المهنية، وهي حقيقة أقر بها عديد ممن أجريت معهم المقابلات لكنهم يجدون صعوبة في قبولها. لهذا السبب، تُعتبر قوائم الناجحين "سن الثلاثين" "تحت الثلاثين" التي تنشرها مجلة "فوربز" سيفاً ذا حدين، فهي تُظهر لجيل الألفية قصص ونجاحات نظرائهم، ومن جهة أخرى تذكرهم بأن ما يفعلوه لن يكون كافياً. النجاحات النيزكية تحصل، لكنها نادرة، وغالباً ما تتطلب حظاً خارقاً، وعلاقات واسعة، أو سنوات من العمل الدؤوب وغير المجزي، وهي الأمور التي يتم التغاضي عنها في عديد من القصص الإعلامية.

خيارات لا تحصى 

في كتاب للمتخصص في علم النفس آدم فيليبس Missing Out: In Praise of the Unlived Life يقول الكاتب "نحن مطاردون على الدوام بأسطورة تحقيق إمكانياتنا"، وهو يعزو جزءا من هذا إلى الثراء النسبي الذي يتمتع به المجتمع الغربي في الوقت الراهن؛ ومع ذلك، فإن الأسباب التي ساقها جيل الألفية في المقابلات كانت في التركيز على الاستمرار في استكشاف الخيارات التي تشمل وسائل التواصل الاجتماعية؛ ونمو النظرة إلى ريادة الأعمال باعتبارها مساراً مقبولاً في الحياة؛ والاعتقاد بأنهم سيعملون في عدة وظائف بدلاً من وظيفة واحدة.
علاوة على ذلك، يعتقد عديد من المستجيبين أن تحقيق أحلامهم أمر ممكن، جزئياً بسبب انتشار إعلام تطوير الذات، سواء كانت على شكل محاضرات TED talk أو على شكل مقالات القوائم listicle. تبدو هذه الموارد وكأنها تجهز جمهورها بالمعلومات المطلوبة لتحقيق أي هدف، ويصفها جيل الألفية على أنها سيف ذو حدين، وحتى عند شرح جاذبية المشورة القادمة من "وسائل تطوير الذات"، أفاد أحد الشباب في تعليقه على واحدة من هذه المقالات، "إذا قمت بعمل هذه الأشياء الخمسة، فستصبح الشخص الذي تقرأ عنه .. يعني إذا كان لدى "إيلون ماسك" (رجل أعمال مشهور وملياردير) عيون، وأنا لدي عيون، فسأصبح إيلون ماسك؟ طبعاً هذا لن يحدث". أفاد المستجيبون أن هذه المقارنة مع ذواتنا المفترضة تولد شعوراً بعدم الرضا، حيث يسود اعتقاد بأن الباب سيظل مشرعاً لتحقيق إمكانياتهم بدرجة أكبر في مكان آخر.
على الرغم من تجذر هذه العوامل الثلاثة وصعوبة التخلص منها في المستقبل القريب، ناقش المستجيبون الذين تحدثت معهم - يضيف سيربا - بعض التكتيكات للحد من المقارنة الظالمة:
تُشجعنا المقارنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي على النظر إلى نجاحات الآخرين، لكنها لا تدفعنا للتفكير في نجاحاتنا نحن. نستطيع جميعنا تطوير المهارات والاهتمامات عن طريق التعليم والقراءة والهوايات. هذه الكفاءات، أو "الخيوط الذهبية"، كما دعاها أحد الأشخاص، تظهر من آن إلى آخر طوال فترة الحياة المهنية للشخص، وتساعدنا على تنمية القيم والشعور بأنك تقف على أرض صلبة في عالم مليء بالشكوك. وكما كتب البرت باندورا، الأستاذ الفخري في جامعة ستانفورد، في كتابه The Psychology of Chance Encounters and Life Paths، "من خلال هذا المصدر الداخلي للإرشاد، يستطيع الناس توجيه حياتهم واستمداد الارتياح مما يفعلونه".

نظرة طويلة الأمد

المهن الناجحة تُبنى على مدى العمر، وهي حقيقة غالباً ما تضيع لدى جيل الألفية الذين قابلتهم. في دراسة أجراها موقع PayScale.com في عام 2014، أفادت النتائج بأن رواتب الرجال والنساء العاملين تصل إلى أعلى مستوى لها بين أواخر الثلاثينيات وأواخر الأربعينيات. لكن حسب قول جيل الألفية، فإنه من الصعب تذكر ذلك. في مقابلة بين تشايب كاستيل من شركة بلاك روك، ولورا كارستينسن من مركز جامعة ستانفورد لأبحاث إطالة العمر، تقول كارستينسين، "لأول مرة في تاريخ البشرية، لدينا مزيد من الوقت. كي نتمكن من جعل مرحلة الشباب تمتد لفترة أطول، يمكننا دخول سوق العمل بشكل تدريجي والخروج بشكل تدريجي، ويمكننا أن نصل إلى ذروة وظائفنا في الستينيات والسبعينيات بدلاً من الأربعينيات والخمسينيات ". تعني إطالة الأعمار أنه يتعين على جيل الألفية التفكير بشكل استراتيجي حول مهنهم الطويلة الأجل وأهدافهم في الحياة وماذا سيستغرق لتحقيقها عبر 30 إلى 50 سنة بدلاً من ثلاث إلى خمس سنوات.
احتضان العزلة

يقول المستجيبون إن الارتباط بالأجهزة النقالة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة طوال الوقت أمر منهك من الناحية النفسية، وأن هذا الأمر يحرم الشخص من الوقت المخصص للتفكير والتأمل. لذلك ينبغي لجيل الألفية الالتفات للعزلة – الوقت الذي تقضيه في التفكير بالأسئلة المهمة المتعلقة بالعمل والحياة – كاستثمار في الرفاهية الخاصة بهم. الأهم من ذلك، أن العزلة هنا ليست الوقت الذي يقضيه الشخص وحده على جهاز كمبيوتر محمول، بدلاً من ذلك، تعني العزلة أن يكون الشخص بمفرده ودون تشويش – النشاط الذي أصبح نادر الحدوث على نحو متزايد في المجتمع.
يمكن لجيل الألفية أن يكون سباقاً في معالجة هذه التحديات من خلال التفكير فيما يحفزهم، والتفكير على المدى الطويل، وتخصيص وقت للعزلة – الخطوات التي تعزز معا معايير داخلية قوية للنجاح والتركيز على الحياة العملية للفرد.

الأكثر قراءة