«نضج البشرية ونهاية الحروب» .. حلم الماضي وكابوس اليوم

«نضج البشرية ونهاية الحروب» .. حلم الماضي وكابوس اليوم
«نضج البشرية ونهاية الحروب» .. حلم الماضي وكابوس اليوم

شهد النصف الثاني من القرن العشرين تناقصا في عدد الأشخاص الذين قتلوا من جراء الحرب، وتراجعا في عدد الحروب بنوعيها، الدولية والأهلية. وفق ما جاء في مقدمة كتاب «the Winning war on war» لجوسيا س جولدستن (Joshua S Goldstein). دفعت هذه المعلومة بعض المتفائلين - حتى لا نقول "الحالمين" - إلى مسرح التأويلات؛ فبدأنا نسمع مرافعات طويلة عن بلوغ البشرية مرحلة النضج، وخطبا عن انتشار وسيادة القيم الإنسانية، وانحصارا في جبروت العنف وانحدارا في الرهان على القوة العسكرية.
وكأن التاريخ يصر على أن يكرر بعضا من مشاهده أمام الأجيال المتعاقبة، حين نذكر في الماضي القريب؛ من سجل معلم البشرية الصبور تلك الحقب الحافلة بالوقائع، موجة التفاؤل غير المبرر التي سادت سنة 1910، وكان مثالها الأبرز كتاب «الوهم الأعظم» لكاتبه نورمان آنجيل الذي يرى فيه أن منسوب التكامل الاقتصادي المتزايد، وما رافق الثورة الصناعية الثانية جعلا الحرب راهنا، وقس على ذلك مستقبلا، صناعة كاسدة.
بعد أربع سنوات، قبيل الحرب العالمية الأولى، كتب أندرو كارنيجي؛ بيل جيتس النصف الأول من القرن العشرين، في متن بطاقة المعايدة بمناسبة العام الجديد لأصدقائه ما يلي: "نرسل إليكم بطاقة المعايدة بالسنة الجديدة؛ 1 كانون الثاني (يناير) 1914، ونحن نؤمن بقوة بأن السلام العالمي سيعم قريبا، عبر اتفاق عدد من القوى العظمى على تسوية النزاعات القائمة بينها عن طريق الاحتكام إلى القانون الدولي، وبالتالي يثبت أن القلم أقوى من السيف".

#2#

الطبيعة البشرية لم تتغير، وتاريخ كل أمة تقريبا يعج بذكريات لا تزال حية في المخيلة الجمعية لها بأن استخدام القوة وأسلوب العنف كان في أكثر الأحيان عنصرا حاسما في تغيير مصيرهم. ألم يؤكد ذلك قبلا الفيلسوف الألماني شوبنهاور بقوله الشهير إن: «الكائن البشري هو، في العمق، حيوان متوحش ومرعب تم ترويضه وتدجينه فقط فيما اصطلح على تسميته الحضارة».
نعم فالاتفاقات والمواثيق حول السلم والسلام عادة ما تكون انعكاسا لموازين القوى على الأرض، وفي بعض الأحيان ترجمة حرفية لتوجهات المعارك الميدانية، ولعل الحربين العالميتين الأولى والثانية أبرز شواهد على ذلك، وغير بعيد كانت الأزمة الأوكرانية قبل سنوات قليلة صورة أخرى عن صحة هذه القاعدة. بعيدا عن معارك الميادين وأثرها في المعاهدات، نعود لفكرة جولدستن التي يستند إليها بعض المحللين والمختصين - من أنصار تيار حركة اللاعنف والسلمية - باطلا للمحاججة في معرض دعم آرائهم ومواقفهم في مشهد هم أشبه ما يكونوا فيه براهب في محفل علمي يستند إلى نصوص إنجيلية لإقناع جمهور العلماء بثبات الأرض ودوران الشمس.
بالرجوع إلى هذا الكتاب النوعي عن الحروب الصادر حديثا؛ قبل خمس سنوات تحديدا، نجد تلك الفكرة الواردة في مستهله جيئت في سياق إحصاء الحروب والنزاعات القائمة بين الدول باعتبارها أشخاص القانون الدولي. فطوال نصف قرن الماضية كانت معظم الحروب المباشرة ذات توجه ثنائي (طرفين) حول إقليم أو منطقة متنازع عليها مع بعض الاستثناءات طبعا من حين لآخر (فيتنام، الكويت،...).
تواري هذا النمط من الحرب سمح ببروز - وبعبارة أدق بانتعاش- نوع آخر يتعلق بحروب العصابات أو حروب الوكالة، التي نعيش على ويلاتها منذ بداية الألفية الثالثة؛ وربما لتاريخ يعود إلى ما قبلها مع انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن العالم سائر نحو أبشع صورها؛ في ظل إصرار القوى الكبرى فيه على سياسة المنظار الوحيد لرؤية مشاكل العالم، مضاف إليها تلك الخلطة العجيبة بين الأوراق والقضايا والملفات (المخاوف الأمنية، الحسابات الاقتصادية، الطموحات السياسية، الأزمات الاجتماعية...) في تجاهل تام للحكمة القائلة إن السياسية فن الممكن.
ترى الباحثة إيفانا ميلوزوفيش (Ivana Milojević) في أطروحتها البحثية الموسومة بعنوان: «A Selective History of Futures Thinking» أن الحروب في نسختها القديمة، وتقصد بين الدول والإمبراطوريات أضحت جزءا من التاريخ.
فالحضارة البشرية؛ تقول الباحثة، تسير بخطى ثابتة نوع إبداع أشكال جديدة من الحروب تتوافق مع مدارج التطور الذي وصلت إليه، فالمستقبل للحروب البيولوجية والإلكترونية... وغيرها ما يمكن أن تقودنا إليها سرعة البرق التي تتطور بها الأبحاث في عالم التكنولوجيا.
هذا التطور أسهم بلا شك في عودة حروب العصابات التي نشهدها اليوم (داعش، القاعدة، حزب الله، بوكوحرام،...) بتوظيف ما تتيحه التكنولوجيا من امتيازات وتسهيلات في التواصل والتخطيط والتنفيذ في أي نقطة من هذا العالم في حرب عابرة للقارات والحدود.
وبذلك تحول أفراد اليوم إلى وضع هم أقرب ما يكونون فيه إلى آلات قابلة للبرمجة (روبوتات) بمجرد ما تقع بين أيدي هذه العصابات التي تشتغل عليها حينا من الزمن (غسل الدماغ والتحشيد) قبل أن تصير جاهزا للتنفيذ عند تلقي اتصال هاتفي أو رسالة إلكترونية أو فقط مجرد إيحاء.
وهنا مكمن خطر هذا النوع من الحروب التي قد تظهر مثل الفطريات في مناطق مختلفة من العالم، ودون سابق إنذار أو تقع في البر والبحر والجو، فالجميع محشورون في زمرة واحدة من وجهة نظر هؤلاء. وتتخذ صورا وأشكالا مختلفة ومتنوعة (التفجير، الاغتيال، المهاجمة، التسميم،...) مستهدفة المقربين والأغيار دون تمييز ولا مفاضلة بغية تحقيق أمر وحيد هو التخريب وزرع الرعب وإثارة الفتن والفزع بين الناس وفي الأوطان.
أضحى العالم اليوم مسرحا لصراع غير متوقع؛ بعدما صار لهذه العصابات منتدبون محليون ووكلاء منتشرون في كل أصقاع العالم، أوروبا وأمريكا اللاتينية وأستراليا وإفريقيا وآسيا ... بل إنها تضاهي في تمثيلياتها في مختلف أصقاع العالم التمثيلية الدبلوماسية الرسمية لبعض البلدان. هذه الحقيقة الواقعية جعلتنا أولا نعيش في زمن حربي مستمر ودائم، ففي أي لحظة يمكن أن يصلك خبر صادم عن هجوم هنا أو اعتداء هناك، ولربما أكون أنا أو أنت أو واحدا من المقربين منا – نسأل الله السلامة - أحد ضحاياه في مكان العمل أو السفر أو السياحة وحتى العبادة. وغيبت هذه الحقيقة ثانيا في اهتمامنا اليومي ونقاشنا كل القضايا الكبرى من حقوق وتنمية وبيئة وتعليم وتنوير ووحدة... لمصلحة من؟ هذه حرب الاستنزاف الضروس التي ندور وإياها في حلقة مفرغة، لا بل إنها تهوي بهذا العالم في غياهب الجب بلا بريق أمل في تشخيص حقيقي لداء فكيف بالبحث عن الدواء.

الأكثر قراءة