أكاديمي: لهذه الأسباب قراءة الروايات قد تفسد حياتك
له رأي واضح، ومثير للجدل، ربما لا ينسجم مع آراء الكثيرين، لكنه يعبر عن فلسفة، تستمد بعضا من أجزائها من دراسات عالمية. فالأكاديمي في جامعة أوتاوا الكندية، ذو الأصول المقدسية، الدكتور خالد سليمان يرى أن قراءة الروايات تفسد حياة الفرد، رغم أنها تعمل على تشكيل وعينا وشخصياتنا إلى درجة هائلة قد نعجز عن تصورها، فهي تجعل القارئ يتماهى مع أبطالها ويستدخل مواقفهم وتوجهاتهم في داخله، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ويتألم لألمهم.
صورة مغلوطة
كتب سليمان، المختص في مجالات التنمية ودراسات المرأة والسياسات الدولية والفكر الإسلامي، مقالا حول الروايات، قال فيه إن مقولة (قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من أنت) صحيحة إلى حد بعيد، فنوعية قراءاتك تسهم بعمق في تشكيل شخصيتك وأفكارك واتجاهاتك في الحياة، فلو واظبت مثلا على قراءة الروايات البوليسية، لاختلفت شخصيتك جذريا عما إذا كنت من المداومين على قراءة الروايات الرومانسية، مضيفا أن "الدماغ كالمعدة؛ إذا ملأتها بأغذية عسيرة الهضم تبعث على الاضطراب، فإنها سرعان ما تكاد تنفجر، متسببة لك في إسهال شديد اللهجة، وكذلك الدماغ، فإذا ما أتخمته بأفكار منحرفة شريرة، فإن الوساوس الشيطانية سرعان ما ستستحوذ عليك وتعصف بأمن نفسك واستقرارها".
وفي توصيفه لما يرى ويقرأ من روايات، يقول "إن من سيئات الروايات أنها تقدم لنا صورة وهمية مغلوطة عن العالم في كثير من الحالات، لن ينوبنا منها إلا خيبة الأمل والخذلان والانكسار، وربما الضياع. فكم من فتاة ساذجة حاولت أن تجرب مشاعر التحليق في تلك الفضاءات الوردية التي عاشت فيها بطلات الروايات التي تقرأها، لتسقط في الحياة الحقيقية بين يدي ذئب بشري يحول حياتها إلى جحيم، وقد يدفعها إلى الانتحار".
وتابع حديثه "الروايات في العادة تنتهي بنهايات سعيدة تبعث على الفرح والاطمئنان، فينتصر الخير وأهله، ويندحر الشر وأهله، وفي هذا مخالفة للواقع وتزييف له على ما يبدو، حيث نرى العكس تماما يحدث في حياتنا، ولا نرى الخير ينتصر إلا في المشمش"، وشدد في حديثه على أن الروايات في أيامنا فعلا تفسد الأخلاق، فقد باتت تتبارى - وبخاصة في العقود الأخيرة - في المضي أبعد وأبعد على طريق الشذوذ والانحراف والإيغال في تصوير المواقف الجنسية بالتفصيل الممل، وذلك بالطبع لجذب المزيد من القراء.
دوائر استخباراتية
يستشهد الدكتور خالد سليمان بحوادث تثبت ضلوع دوائر استخبارية في كتابة بعض الروايات، ويضيف "على القارئ أن يدرك أن كثيرا من الروايات هي ليست بتلك البراءة التي يظن، حتى على المستوى السياسي؛ فكثيرا ما تكون الروايات موجهة من دوائر استخبارية وسلطوية لخدمة أهداف معينة، ولعل كثيرين لا يعلمون مثلا أن رواية 1984 الشهيرة لجورج أورويل، قد كتبت بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية، في سياق الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي".
ولعل حديث الأكاديمي في جامعة أتاوا ليس ببعيد عن الدراسة التي أوردتها صحيفة "ميل أون صنداي"، وذكرت أن الاستخبارات البريطانية كلفت الكاتب المعروف دينيس ويتلي بوضع رواية لتأليب القادة العرب ضد الشيوعية، في أوج الحرب الباردة، لينتج لنا رواية "الفضيلة والرذيلة" التي نشرت باللغتين الإنجليزية والعربية في ذروة الحرب الباردة من قبل الحكومة البريطانية، حيث كانت الرواية من بنات أفكار جهاز الأمن الخارجي البريطاني (إم آي 6).
ويعود سليمان إلى حديثه، حيث يقول "أود أن أشير إلى ما قالته لي إحدى الأخوات بعد أن قرأت إحدى الروايات المؤثرة المنتمية إلى ما يسمى أدب السجون، فقد أفادت بأنها أصيبت بالفزع بعد قراءة تلك الرواية المثبطة، وأن الرواية قد جعلتها تفكر ألف مرة قبل أن تتجرأ على فعل ما يمكن أن يغضب السلطة، حتى لا تتعرض لمثل ما تعرضت له إحدى بطلات تلك الرواية من أصناف العذاب المرعب العصي على الاحتمال! والشاهد من ذلك، أن الروايات قد تلعب دورا خفيا خبيثا مغايرا تماما للدور الإيجابي الظاهر الذي تدعي أنها جاءت من أجل لعبه!".
هروب من الواقع
اعتبر سليمان أن الغرق في الروايات هو في حقيقة الأمر شكل من أشكال السعي إلى الهروب من الواقع، فهو قد يعبر بصورة أو بأخرى عن فشل المرء في التعامل مع الواقع وإخفاقه في إحراز نجاحات جدية فيه، لكنه استدرك في ختام حديثه "أرجو ألا يفهم من حديثي أنه دعوة إلى مقاطعة الروايات أو الأدب، إنه مجرد دعوة إلى الحرص الشديد والانتقائية في اختيار القراءات، تجنبا لإضاعة الوقت وإقلاق طهر القلب وصفاء العقل؛ لأن أغلب الروايات، وبخاصة الحديثة، تدس السم في العسل".