العنف الرياضي .. رسالة إلى صانعي القرار دون الحاجة إلى ساعي بريد

العنف الرياضي .. رسالة إلى صانعي القرار دون الحاجة إلى ساعي بريد

تبقى الأنظار مشدودة إلى فرنسا، وعلى امتداد شهر كامل (10 حزيران "يونيو" حتى 10 تموز "يوليو")، لمتابعة أطوار الحدث القاري – كأس أوروبا 2016 - غير أن أنظار الأوروبيين انشدت - وبقوة واستغراب - في الأيام الأولى لا إلى العرس الكروي، وإنما إلى أحداث ما بعد ظهر السبت؛ عقب مقابلة بين فريقي إنجلترا وروسيا، بين مشجعين بريطانيين وفرنسيين وروس خلفت زهاء 35 جريحا بعضهم في حالة حرجة، بعد نهايتها في وقت متأخر من ذاك اليوم جوار المرفأ القديم لمدينة مرسيليا جنوب شرقي فرنسا.
لا تزال صدمة التلقي الأولى لما وقع بادية على فئة عريضة من الأوروبيين ممن لم يستوعبوا بعد «حرب الشوارع» تلك على حد تعبير صحيفة الفريق (L’équipe) الفرنسية، إذ ذكرت الأوروبيين بجزء من ماضيهم؛ كما عنونت صحيفة جريدة الأحد (Le journal de Dimanche)، بـ«عودا إلى السنوات السوداء». يتساءل هؤلاء وآخرون باندهاش: كيف لمن رضع حليب الأنوار واشتم عبق الحداثة وترعرع في قيم التسامح ومبادئ الحرية أن يقدم على مثل هذه الممارسات العدوانية ذات الصلة بالإنسان غير "المتحضر" (غير الأوروبي)؟
أعادت هذه النازلة إلى الساحة الإعلامية والفكرية الأوروبية عموما، والفرنسية منها بصفة خاصة، سؤال العنف والهمجية... وما يسوق من بروبجاندا إعلامية وسياسية حيال الموضوع، وفضحت بالموازاة خدعة الربط الزائف القائم الذي كان دائما يربطه بالدرجة الأولى بالإنسان العربي، وثم المسلم وأخيرا المهاجر غير الأوروبي.
أليس هؤلاء (غير الأوروبيين) سبب كل الأزمات التي تحدق بهم؟ أليس العربي والمسلم مشجبا يعلق عليه أبناء العرق الأبيض أعطاب حضارتهم؟ كيف لهذا أن يحدث والعنف والتطرف والوحشية ... وهلم جرا من النعوت سمات خاصة بالأجانب فقط؟
بهذه المصادرات وغيرها يصنع الإعلام الأوروبي الرأي العام ويوجه الجماهير، بل في بعض الأحيان يخدعها، وتغطي النخب الأوروبية العاجزة – سوى ثلة أسماء معدودة على رؤوس الأصابع - عن فهم ما يجري، فبالأحرى التفاعل معه دراسة وتحليلا ونقدا، وتقديم بدائل وخيارات للشعوب التي بدأت تتيقن مع التوغل في المستقبل بأن الأخطار تحدق بها من الجوانب كافة، وبات منسوب الإحساس بالأمن والأمان الذي يتفاخر به الأوروبي في تناقص مستمر على المستويات كافة (الشخصي، الاقتصادي، السياسي،...).
عودا إلى أحداث مرسيليا التي تعبير في رمزية من رمزياتها عن سخط واحتقان وغليان شعبي، مما يعانيه المواطنين في هذا البلد أو ذاك؛ فالظاهر أن كل دولة ممن شارك جزء من جمهورها في تلك الأحداث لها محفز لإرسال رسالة إلى صانعي القرار في بروكسيل دون حاجة إلى ساعي البريد. فالإنجليز في حيص بيص من أمرهم بخصوص قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، والفرنسيون عانوا الأمرين من الهيمنة الاقتصادية الألمانية عليهم وعلى كل الاتحاد، أما الروس فكبرياؤهم لا يزال مجروح بفعل العقوبات الأوروبية ضدها تدخلهم في أوكرانيا.
وهكذا وجدت هذه الجمهور نفسه أمام مفارقة يصعب عليها إدراكها، فهو حاضر لمتابعة أطوار بطولة من مقاصدها تثبيت عناصر الوحدة والانسجام وقيم الإخاء والتكامل الأوروبي، لكن معطيات الميدان السياسي وحساب الواقع الاقتصادي تذهب عكس تلك الأهداف كليا.
مراجعة لتاريخ، نجد أن العنف الرياضي ضارب في القدم قدم كرة القدم ذاتها، وتعود أصوله إلى بريطانيا حيث ظهرت أواخر القران التاسع عشر (1890) ظاهرة الهوليجانزم "Holiganism"، ذات الصلة بمثيري الشغب من مشجعي الفرق الرياضية الآخذة في الانتشار والشهرة في الأوساط البريطانية حينذاك.
وتفيد بعض المصادر التاريخية بأن العنف الرياضي مرت بثلاثة مستويات أساسية، يتعلق الأول بانحصاره في الاعتداء على الحكام واللاعبين من هذا الفريق أو ذاك، ثم انتقل في مستوى ثاني درجة المواجهات بين مناصري الأندية في مدرجات الملاعب قبل أو أثناء أو بعد المباراة. وبلغ مستواه الأخير الذي نعرفه حاليا بخروج تلك الاشتباكات إلى خارج جدران الملاعب الرياضية وسريانها في الساحات العامة وشوارع المدن.
من جهتها تذهب علم النفس الاجتماعي حول ظاهرة العنف إلى أن العنف لذاته قائم في الحالات الفردية، ويكون مقبولا لأنه عادة نتاج اضطراب نفسي أو خلل عقلي مما يحول الفرد إلى كائن عدواني أشبه بالحيوان أو أشد فتكا منه. لكن العنف الجماعي نادرا ما يكون عنفا من العنف فقط، بل الأصل فيه أن يحمل رسالة ظاهرة أو خفية.
وتشير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو) إلى أن العنف أصبح من المشكلات الرئيسة التي تواجهها الرياضة في هذا العصر، وتلعب وسائل الإعلام دورا رئيسا في ذلك بفعل التحريض والتحشيد واللغة العنيفة المتداولة في الخطاب الإعلامي الرياضي... وقد أثبتت الإحصاءات ارتفاعا في معدلات العنف داخل الملاعب الرياضية وخارجها.
ومن أبرز الشواهد على ذلك ما شهده الدوري الاحترافي الممتاز في المغرب، حيث تقام معظم حاليا بعض من مقابلاته دون جمهور؛ كعقوبات لبعض الأندية التي تحول جزء من جماهيرها إلى مليشيات أو عصابات أفضت ممارساتها إلى أعنف موسمي رياضي في الدوري المحلي؛ أزهقت فيه أرواح شباب أبرياء "السبت الأسود" (19 مارس 2016).
في ذات السياق نذكر بأكبر كارثة في تاريخ الرياضية المصرية الحديثة، ونقصد بالذات أحداث ستاد بورسعيد المصري التي حدثت في 1 شباط (فبراير) 2012، التي راح ضحيتها وفق الإحصاءات الرسمية 72 قتيلا ومئات الجرحى والمعطوبين.
كل ما سلف ينذر بأن موجات "الإرهاب الرياضي" قادمة فانتظروها، في ظل تزايد حد العنف تروجا وممارسة، فلتعدوا العدة لمواجهته والتصدي له. فالحضارة الإنسانية أضحت في الوقت الراهن أعنف أكثر من أي وقت مضى وفق بروس مازليش (Bruce Mazlish) في أحدث كتابه «Civilazation and its contents».
وينبه الأوروبيين إلى أن العنف سمة ملازمة للنفس البشرية غير خاصة بهذا العرق أو ذاك الجنس، وأن من بني جلدتهم ضواري كاسرة -لا يتسع المقام لسرد أمثلة عن ذلك-، تنتظر فقط الفرصة المواتية لتفريغ نزواته من العنف والوحشية، لذا عليهم التعاطي مع ما وقع بمنطقية بعيدا عن فكرة الاصطفاء البشري والنقاء الحضاري التي يعيشون في ظل أوهامها منذ عقود من الزمن.

الأكثر قراءة