«ونوس» .. صفقة مع «الشر» لعمل الخير

«ونوس» .. صفقة مع «الشر» لعمل الخير
«ونوس» .. صفقة مع «الشر» لعمل الخير

فلسفة إغواء آدم تتجلى في قالب بديع في المسلسل الرمضاني المصري "ونوس"، الذي تميّز نصاً وقالباً وأداء. "مع ونوس إنت بسعادة.. دنيا جديدة.. ملك." ففي تآزر جديد ما بين الممثل المتميز يحيى الفخراني وكاتب السيناريو عبد الرحيم كامل، بعد أعمال أخرى ضخمة كالخواجة عبد القادر ودهشة تميزت بحبكتها القوية وفكرتها المتجددة، فيما قام بإخراج المسلسل الابن شادي الفخراني. 

"سأقودك إلى عالم ستصبح فيه نجم النجوم." يمتلئ المسلسل بأحداث يحاول فيها ونوس إقناع الآخرين بإخراج الدفين من رغباتهم وملاحقتها دون تحرج أو تردد. والأبهى هو طريقة بدء المسلسل حين يطرق الباب على عائلة هادئة مجتمعة في مسكن بسيط، ليدخل رجل عجوز متغضن الملامح هو ونوس، الذي يدعي أنه صديق مقرب منذ الطفولة للأب الغائب ياقوت منذ 20 عاماً، وهو يعلم مكانه وينبئ عن قرب حيازته أموالاً طائلة، ومحاولته إقناع الأبناء بإيجاد الأب والمطالبة بحقوقهم، على الرغم من ممانعة وحنق الأم انشراح من اكتشاف مكان الأب بعد اختفائه الطويل وتحملها المسؤولية وحدها. وقد أبدعت الممثلة هالة صدقي في أداء دور الأم المنهكة روحياً وجسدياً التي يحاول ونوس إخراج الدفين من أحلامها وغرائزها.

سفير جهنم

المسلسل حتى الحلقات التي تم بثها، لم يوضّح بأسلوب مباشر طبيعة شخصية ونوس، وإن كانت أغلب الإيحاءات تشي إلى وجود ملامح من شخصية شيطانية، بدءاً بالعنوان "ونوس" وكأنه مصدر لإيجاد المتعة والسعادة. وقد كان عنوان المسلسل قبل بثه يدعى "فتنة"، إشارة إلى مدى سطوة ونوس وقدرته على الإيقاع بالآخرين وزجهم في مواقف قاسية نتيجة بحثهم عن رغباتهم مما قد يتعارض مع الآخرين ويتسبب في الوقوع بمآزق. يظهر من المشهد التمهيدي في أول حلقة تلفاز صغير يعرض هيئة يوسف وهبي بدور شيطاني في فيلم "سفير جهنم"، الذي يحاول فيه إغواء عائلة رمضان بأن يعرض عليهم المال والشباب. وإن كان المسلسل يحمل الفكرة ذاتها إلا أنه لا يستخدم أسلوباً مباشراً في وصف حقيقة ونوس. إذ يظهر حاملاً لسمات توحي بأنه يخفي روحاً شيطانية تسعى لإغواء الآخرين، وقدرة على القيام بأعمال خارقة، والمساومة دون توضيح مباشر.

مقاربة "فاوستية"

المسلسل أشبه بمقاربة المسرحية التراجيدية فاوست للألماني جوتة التي روّجت لما يسمى "الصفقة الفاوستية" كفكر منتشر يعبر عن استسلام الشخصية الخيرة للنزعات الكامنة، حيث يبرم الدكتور يوهان فاوست عقداً مع "الشيطان" يعطيه من خلاله روحه، شرط استيفاء السعادة وتحقيق الرغبات والأحلام. فكرة التعاقد مع إبليس تعد سائدة من قبل ذلك عبر الموروث الشعبي المسيحي.

موسيقى المضمون 

تميّزت الموسيقى التصويرية الناتجة عن أوركسترا مكونة من طاقم ضخم، بقدرتها على إثارة العاطفة والتشويق والغموض، والممازجة ما بين الموسيقى العربية والغربية التي تحمل سمات أشبه بترانيم كنائسية وكأنها ترمز إلى القصص الفلكلورية المسيحية القديمة التي تشي بوجود عهد يوثق مع الشيطان لتحقيق الرغبات.

#2#

وقد قام بإعدادها الموسيقار والموزّع التونسي أمين بو حافة، الذي قام بإعداد موسيقى تصويرية لعدة مسلسلات رمضانية من ضمنها الميزان وجراند أوتيل. فيما برز في إخراج المسلسل ألوانه الباهتة التي تشي بوقوف الزمن في الماضي، ودوران الشخصيات في فلك أحداث سابقة قاتمة أدت إلى ما نتج في الحاضر من تبعات. فيما تبرز قدرة المسلسل على جذب المشاهد وتشويقه، بدءاً بالغموض المكتنف منذ البداية الذي يعقبه كشف تدريجي عن الأحداث.

طبقات ونوس

شخصية ونوس وحدها تستلزم تحليلاً لطبقاتها العميقة، فقد تم اختيار شكله ليكون محبباً للآخرين، بملامحه المعبرة ومشيته البطيئة التي أثقلها تقدم عمره، وشخصيته الإنسانية التي لا يملك الآخرون إلا التعاطف معها والتأثر بأحاديثه، فهو قادر على إيجاد الثغرات والمواجع التي يشعر بها الآخرون للوصول إليهم. ككبر سنه ومنظره الأبوي الذي تمكن من خلاله بإقناع الأبناء الذين غاب والدهم عنهم 20 عاماً باكتسابه كصديق وبث همومهم والحصول على مشورته وقت الضائقة ووقت تجلي الرغبات. مريح ومرعب في الوقت ذاته، يمتلك أساليب التحليل من أجل الإقناع بمحاولة توقيع الوثيقة.

ونوس والآخرون

أما محاولة ونوس للإقناع والتغرير فتكشف عن طبيعة النفوس وضعفها، بالأخص لدى عائلة ونوس بشخصياتهم المختلفة، ما بين طامع في كسب الأموال وآخر في النجومية والغناء، ويظهر جانب ملفت في الابنة نيرمين التي قامت بدورها الممثلة حنان مطاوع، وكأنها تعد من فئة المستضعفين اليائسين في محاولة لإنقاذ ابنها المقعد ووضعها الحياتي المزري، وقابليتها السريعة لتقبل أي وسيلة لإنقاذ ابنها. في الحين الذي تظهر فيه حتى الشخصية المتدينة للابن فاروق الذي أجاد دوره نيكولا معوض، ومدى تأثره بإغواء السلطة، وعد الضحكة الساخرة لونوس وإن كانت تظهر ظفراً خفياً عند قدرته على الإقناع أو إقلاق الآخرين. ففاروق يستمع بتمعن لنصائح ونوس في محاولة فهم ودراسة الآخرين: "كلنا ملامحنا فاضحة اللي جوانا.. فاضحة رغباتنا".

فيما تميز الممثل المخضرم نبيل الحلفاوي بإجادة دور الأب الغائب ياقوت، بملامحه المتغضنة وهيئته الرثة، وقدرته على التعبير عن الألم والدهشة والضياع، في محاولة مستمرة في التهرب من الماضي الذي أثقل كاهله لكثرة هفواته، بينما يلاحقه ونوس بتمرس ويحاول تذكيره بأفعاله المقترفة دون رحمة. الأب الذي يظهر كعدد آخر من الممثلين المستسلمين والمستندين إلى القدرية وربطها في العديد من الأمور الحياتية دون وجود أي اكتراث أو تخطيط للمستقبل.

تتلاشى في "ونوس" ثنائية الخير والشر، ليبدو وكأن الشر سيحتكر كل شيء، بصورة أو بأخرى، هناك نزعات ورغبات تتحكم في الآخرين من الصعب السيطرة عليها أو دحضها. تصوير عميق لطبيعة النفس البشرية ومدى سهولة القدرة على الإغواء، وإن كانت هناك محاولات للتملص من ذلك.

الأكثر قراءة