حوار واشنطن ـــ موسكو: ديمقراطية «الإخوان» أو علمانية يمثلها الأسد وإيران

حوار واشنطن ـــ موسكو: ديمقراطية «الإخوان» أو علمانية يمثلها الأسد وإيران

"في أيار (مايو)، قام الكاتبان جيمس جيفري وآنا بورشفسكايا بزيارتين منفصلتين إلى روسيا - السيدة بورشفسكايا في زيارة توجيهية والسفير جيفري كعضو في "المسار الثاني لبرنامج التبادل دارتموث كيترينج". وقد ركز الحوار الأخير لبرنامج "دارتموث كيترينج" الذي عقد في موسكو وزافيدوفو، على قضايا أمريكية - روسية واسعة النطاق مثل أوكرانيا والحد من التسلح، والتعاون في مجالات غير دبلوماسية. وضم المحاورون الروس مختلف المختصين في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الثنائية. وكان بعضهم مسؤولون في الحكومة الحالية (على سبيل المثال، قدم نائب وزير الخارجية إحاطة للمشاركين في الحوار)، في حين كان هناك آخرون من الأكاديميين والدبلوماسيين السابقين، أو مسؤولين عسكريين متقاعدين. وفيما يلي انطباعات الكاتبين من اتصالاتهما المختلفة".
على الرغم من الجمود المتصور ووجهات النظر العالمية المتضاربة حول بعض القضايا مثل النزاع في أوكرانيا، إلا أن الانطباع الرئيسي من الزيارة، بحسب ما ينقله الكاتبان في معهد واشنطن للدراسات، هو أن المسؤولين والمختصين الروس متفائلون عموما في ما يخص التعاون الأمريكي الروسي بشأن قضايا الشرق الأوسط. وإن اختلفت الكيفيات. وقد نتج هذا الموقف عن الاتفاق النووي مع إيران والتركيز أخيرا على المساعي المشتركة في سورية.

توافق حول سورية
من الواضح أن التفاؤل حول الوضع في سورية تأثر بالمحادثات المستفيضة التي أجراها وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي جون كيري وسيرغي لافروف حول هذا الموضوع. على سبيل المثال، اختير أخيرا أحد رؤساء "حوار كيترينج"، وهو فيتالي نومكين، كمستشار في المفاوضات السورية التي تجريها الأمم المتحدة برئاسة ستيفان دي ميستورا.
من المثير للاهتمام أيضا أن المناقشات الروسية الرسمية حول سورية كما ورد في وسائل الإعلام الخاضعة لرقابة الدولة تتجاهل إلى حد كبير البعد السني / الشيعي.

«غلطة» واشنطن
أشار معظم المتحدثين إلى أن للولايات المتحدة وروسيا هدفين مشتركين في المنطقة هما: محاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار. ولا شك أن الروس صادقون فيما يتعلق بالهدف الأول، على الرغم من أنهم حققوا نتائج ضعيفة في جهودهم لمحاربة تنظيم داعش، مما يتناقض بصورة غريبة مع نجاحهم الكاسح في محاربة القوات الأخرى التي تقاتل نظام الأسد. ومع ذلك، بالكاد تقع عمليات محاربة الإرهاب على رأس أولوياتهم، كما أن تحديدهم لمفهوم "الاستقرار" يختلف كثيرا عن معظم وجهات النظر الأمريكية الخاصة بالمنطقة.
إن أحد أسباب ذلك يعود إلى أن المشاركين الروس في "حوار كيترينج" اعتبروا أن استراتيجية واشنطن المفترضة للسعي إلى تحقيق الاستقرار من خلال تعزيز الديمقراطية (التي كان يمثلها "الإخوان" كنموذج إسلامي معتدل بالنسبة لواشنطن، خلال الاضطرابات الأخيرة) كانت لها نتائج عكسية. ولم يبذل المشاركون الأمريكيون أدنى جهد للدفاع عن هذه المقاربة المزعومة التي تتمحور حول الديمقراطية خلال اجتماعات دامت ساعات، وأشاروا عدة مرات إلى أن هذا التعزيز للديمقراطية لم يشكل سياسة الولايات المتحدة لسنوات. بيد، لم تفعل هذه الحقائق شيئا يذكر لإقناع الروس بالتراجع عن نظريتهم.
إلا أن الموضوع الذي حظي باهتمام أكبر هو وجهة النظر الروسية العامة التي تعتبر أن الطريق الصحيح لتحقيق الاستقرار هو تعزيز العلمانية (...) ورأوا بوضوح أن جناح الرئيس حسن روحاني آخذ في التصاعد في الجهاز السياسي الإيراني، لكنهم لم يتكلموا كثيرا عن المرشد الأعلى و«حرسه الثوري».
إن النقطة التي يبدو أنهم فشلوا في فهمها هي دفاعهم عن فرض إحدى القيم الغربية - وهي العلمانية - على النسيج الاجتماعي والديني والثقافي المعقد في الشرق الأوسط. ويمكن القول إن هذا حل خاطئ لمعضلة الاستقرار، تماما كهاجس الديمقراطية الذي تدعيه أمريكا. ويصبح التشديد على العلمانية مهم بشكل خاص في ظل مشكلة التطرف المتنامية التي تعانيها روسيا في الداخل. وتحاول السلطات حل هذه المشكلة عبر قمع الدين، من بين أمور أخرى، لكن المختصين الروس في شمال القوقاز يشيرون إلى أن التربية الإسلامية ردعت في الحقيقة الأفراد في تلك المنطقة عن الانضمام إلى تنظيم داعش. وبعبارة أخرى، إن الجهل بالإسلام هو ما يؤدي إلى التطرف.

عالم بديل
إن إحدى مشاكل هذا الموقف الروسي هي أنه يفتح المجال أمام نظرة مناسبة لـ "عالم بديل" من الدوافع الأمريكية. فبينما يبدو أن الولايات المتحدة ما زالت تؤدي دورها التقليدي في احتواء التوسع الإقليمي في منطقة التأثير الروسية (على سبيل المثال، من خلال تقوية حلف شمال الأطلسي وإصدار عقوبات تتعلق بأوكرانيا)، كان الروس في حيرة بعض الشيء بسبب تردد إدارة أوباما عن القيام بالأمر نفسه في الشرق الأوسط، الذي يشكل جزءا من الساحة الأمريكية التي تتوسع منذ أربعة عقود. ولشرح هذا التفاوت، يبدو أن الروس يفترضون أن أمريكا خففت من اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، وأعادت تركيز معظم انتباهها الإقليمي على الإرهاب، وقبلت بالفكرة بأن الاستقرار هو الهدف الأساسي هناك، رغم فشل المقاربة المزعومة لتحقيق هذا الهدف، أي تعزيز الديمقراطية. ويكمن الخطر في أن ذلك قد يوحي بزيادة المصالح المشتركة مع روسيا عن الحد الذي قد تكون عليه، خاصة في الإدارة الأمريكية المقبلة.

روسيا من الداخل
لوحظ أن الكثير من الروس، خارج دوائر موسكو الرسمية، يشكون من المعاناة الاقتصادية وغيرها من المشاكل التي تؤثر عليهم شخصيا، مثل عدم تمكنهم من السفر إلى تركيا ومصر. ففي أعقاب حادثة إسقاط الطائرة العسكرية في تشرين الثاني (نوفمبر)، علقت الحكومة الروسية السفر من دون تأشيرة إلى تركيا؛ وفي ذلك الشهر نفسه، علقت جميع رحلات الطيران إلى مصر، بعد أن أسقطت جماعة تابعة لتنظيم داعش طائرة ركاب روسية كانت تغادر سيناء. ويقينا، بإمكان الروس الاستفادة من فرص سفر أخرى في المنطقة. فعلى سبيل المثال، بإمكان المرء أن يرى الآن إعلانات في شوارع موسكو عن تنظيم رحلات إلى المغرب، ربما لأن العاهل المغربي الملك محمد السادس قد زار أخيرا العاصمة موسكو للمرة الأولى منذ سنوات، وذلك لتحسين العلاقات بين البلدين. إلا أنه يبدو أن كل هذا لا يعتبر مواساة كافية، نظرا للقيود المتزايدة في أماكن أخرى.
وفيما يتعلق بسورية، تحاول السلطات قدر الإمكان ألا تتحدث كثيرا عن الضحايا، سعيا إلى إقناع الناس على ما يبدو أن روسيا لا تخسر شيئا من خلال تدخلها هناك. وفي الواقع، إن الحديث الآن عن سورية وأوكرانيا وقضايا خارجية مماثلة يغدو هامشيا. لذلك، يستطيع أي مسؤول أن يتحدث عن الخسائر الروسية في سورية من دون أن يذكر الـ 224 مواطنا الذين قتلوا في حادثة الطائرة في سيناء في تشرين الأول (أكتوبر)، بعد وقت قصير من بدء تدخل فلاديمير بوتين للدفاع عن الأسد. حتى إن السلطات بدأت تخفف من تسليط الضوء على مقتل الضابط في قوات "السبيتسناز" الخاصة ألكسندر بروخورينكو؛ ففي آذار، دعا هذا الأخير إلى قصف مركزه في تدمر بعد أن أحاطت به قوات تنظيم داعش، وأشادت وسائل الإعلام الحكومية ببطولته. بيد، لا يفضل الشعب الروسي هذا النوع من البطولة، كما قال عالم الاجتماع دنيس فولكوف الذي يعمل في "مركز ليفادا" المستقل لاستطلاعات الرأي. وسبق أن كتب هذا الباحث الاجتماعي في مقال نشرته "مؤسسة كارنيجي" في تشرين الأول (أكتوبر): "فيما يتعلق بسورية، على غرار القضايا الداخلية والخارجية الأخرى، تأخذ الحكومة الروسية الرأي العام في عين الاعتبار، ليس لأن هذا الرأي يهمها بحد ذاته، بل للتخفيف من التكاليف المترتبة عن تنفيذ سياستها".

توصيات سياسية
إذا تعاطت الإدارة الأمريكية الجديدة مع شؤون الشرق الأوسط بطريقة أكثر تقليدية، أي كما تعامل الإدارة الحالية أوكرانيا والقوقاز والبحر الأسود والبلطيق، قد يفاجأ الروس من المقاومة الكبيرة لجدول أعمالهم. وكما ذكر أعلاه، من خلال تحديدهم استقرار المنطقة بتعزيز العلمانية، فهم يحاولون بيع مفهوم خارجي إلى منطقة دينية إلى حد كبير. وأسوأ من ذلك، إنهم يساوون أنفسهم بقوتين يزعم أنهما علمانيتان، هما الأسد وإيران اللذان يزعزعان استقرار المنطقة إلى حد كبير. ويشكل هذا وصفة لنشوب اشتباك قد يكون أكثر خطورة حتى مما هو عليه في أوكرانيا، حيث تهيمن القدرات العسكرية والمصالح السياسية الروسية. ومرة أخرى، يبقى خطر سوء التقدير الروسي في الشرق الأوسط مرتفعا، لأنه يبدو أن موسكو تعتقد أن معظم المصالح الجيوستراتيجية الأمريكية في هذه المنطقة آخذة في التلاشي بالتوازي مع تراجع اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، وأن كل ما يهم واشنطن هو جدول أعمال مكافحة الإرهاب.
وفي الوقت نفسه، إن الوضع في الداخل يزداد سوءا. فالاقتصاد الروسي مستمر في التراجع. وتحاول محطات التلفزيون الخاضعة لرقابة الدولة أن تلهي الناس عبر برامج مثل "وداعا أمريكا" الذي يتنبأ بسقوط "الإمبراطورية المقلمة بالنجوم"، لكن الكثير من الروس توقفوا عن مشاهدته. وبعضهم يتجاهل الحقائق ويتركز في أمور أخرى في حياته. وربما يفوز بوتين في الانتخابات مرة أخرى، لكن حكومته أقل استقرارا مما تبدو عليه. ومن المفارقات، إنه يسعى إلى الحوار مع الغرب لأنه عرف حكمه فيما يتعلق بالغرب، وبالتالي فهو بحاجة إليه.
وردا على ذلك، على الغرب أن يصد جدول أعمال الكرملين الخاص بالشرق الأوسط، إنما ضمن إطار عمل المشاورات الشاملة على الأصعدة الرسمية والبحثية والأكاديمية وعلى صعيد المسار الثاني [غير الرسمي]. وفي هذه الفترة المتقلبة والمنطقة المضطربة، لن يؤدي سوء التفاهم وعدم القدرة على التواصل إلا إلى زيادة المخاطر الحتمية.

الأكثر قراءة