التضامن .. شفرة الإنساني وبديل العولمة اللاإنسانية
في زمن اجتياح العولمة وأمام جهازها الميكانيكي الباهظ، يبقى المرء مضطهدا ومغتربا من جراء تسلط مستشر وخانق، وغطرسة غازية للخاص والعام. من هنا يتولد ذاك الشعور بالقلق والتمرد المنتشر ضد هذا الوضع الضاغط المفروض من الأحكام الصارمة المملاة من طرف "إنساني لا منطقي" لعولمة ميكانيكية، دون روح. يستشعر إذن الحاجة إلى إعادة امتلاك حرية الفكر والعمل في انسجام مع المتطلبات العميقة للوجود الإنساني، الذي يرى في العلاقات البيشخصية وفي الخيرات العلائقية المستوى الأعلى والمسار الأسرع الأضمن للسعادة؛ سعادة حتى إن كانت متناسبة مع محدودية الوضع الإنساني، ومواتية لتجربته، فهي أفضل من متعة الاستهلاك. في هذه السيرورة، للمؤشر المضاد والبديل الثقافي، تندمج ثلاث ركائز يمكنها أن توجد وضعا جديدا من أجل تحقيق الضمانات المطلوبة والثاوية في عمق أي إنسان: عدالة، خيرات عمومية، تضامن.
رفاهية مضللة
هذا ما قد يمثل واقعيا الجواب لمطلب التحرر المنشود وفقا لدراسة أعدها الباحث الإيطالي جوليو تشيبلوني من الجميع ولكن دون الاتفاق على معناه: التحرر من من؟ التحرر من ماذا؟ الأمر في الحقيقة يتعلق بإعطاء، أو إعادة إعطاء الأفراد حقهم في أن يكونوا أشخاصا بالفعل وليس بالاسم، يتمتعون بكامل إنسانيتهم، ويفعلون إمكاناتها في العلاقات الاجتماعية، خصوصا تلك التي تتعلق بالجانب الاقتصادي الذي يهيمن عليه حاليا السوق، والربح، بدل فكرة التضامن الشامل.
في بانوراما الحوار العلمي الدائر في الغرب وفي اللاغرب، المدفوع للتغريب اليوم بتواتر متصاعد، تتم مناقشة، من زوايا مختلفة، الامتيازات الحقيقية للعولمة، ويتم التركيز على انجازاتها الحاضرة والمستقبلة في تحقيق الرفاهية للجميع، دون وضع في الحسبان عامل التضامن الإنساني، أو إضفاء مكانة الصدارة للعلاقات بين البشر، أو التطرق حتى لأهمية الخيرات العلائقية في تحقيق السعادة؛ وهكذا تبدو فكرة الرفاهية ذات المدلول المحوري التي يعد بها الساسة الحاليون مواطنيهم، منقوصة إن لم تكن مضللة أصلا.
حسب انفتاحات الفكر في هذا النقاش، فإن رؤوس الأموال، ومشاريع التمويلات الاقتصادية المرتبطة بها، ليست ولا يمكن أن تكون الغاية القصوى، بل مجرد وسيلة؛ المسألة إذن تكمن في موضعة وإخضاع هذه "القيم الوسيطة" إلى منظومة مثل عليا وإلى تطلعات راقية تطمح إليها الإنسانية في جهدها العملي. جزء من البشر لديه القدرة، ولكنه لا يدري بعد كيف يكتسب الإرادة لتحقيق هذا الغرض، ولا يعرف أو لا يريد أن يلتزم ببحث جدي عن السبل الكفيلة لتحقيقها. ورغم أن الجميع متفقون على ضرورة وجود وجهة إنسانية واحدة ينضوي تحتها سكان المعمورة، إلا أن سريعا ما تبرز تناقضات خطيرة على المستوى الفكري وعلى المستوى التطبيقي.
إن هذه الإشارات تعني على وجه الخصوص ما يسمى الغرب وتعني أيضا أغلب تلك المناطق من العالم التي هي غير غربية ولكنها تضغط كي تتغرب، وتقفز من عالم ما قبل الحداثة إلى عالم الحداثة.
نقاش عالمي
إن موضوع التضامن الإنساني، الذي لفت أهمية النقاش العالمي، حاز شهرة وتصدر الأولويات لأجل ارتباطه الوثيق بإعادة قراءة دقيقة، وبتعمقات تاريخية تدرس تطوره لفك شفرة الأسباب التي مكنت من إدراجه، بتمييز واضح، داخل إعلانات، وبيانات، ودساتير الدول. إن الإحالات على المطلب الإنساني للسعادة واضحة، بحيث إن هذا المطلب وقع التطرق إليه في دراسات أساسية في مجال الاقتصاد، بسبب الترابط الوثيق مع سيرورة العولمة الشاملة، وفي مجال السيكولوجيا، بسبب الارتباط المتين بالظاهرة العلائقية للإنسان والمجتمع.
كبير هو عدد الدارسين الذين اعتنوا بالفحص عن مصطلح "تضامن"، لغرض الكشف عن جوهره، وقد أدى هذا إلى بروز العديد من الفوارق من جهة التحليل، والوصف والتركيب. من بين المرجعيات المختلفة المصطلحية للكلمة تضامن (solidarietà)، يمكن القول إنها مشتقة من اللاتيني (solere) يعني (مستقر، مكتمل)، ومنها اشتقت كلمة (solidum) بمعنى (صلب، متين). والجذر الهندوـ أوروبي (sel) يترجم عن فكرة الصلابة، المتانة، الاستقرار، الاستكمال. هذا المعنى الأخير بالذات، يفتح على مفهوم البين ـ اختصاصات وعلى علاقات التعايش بين الأشخاص. التضامن يساعد على رؤية الآخر كذات لا يمكن الاستغناء عنها، وهو يتمظهر في العمق كنزعة غريزية للبشر نحو المساعدة المتبادلة وكقانون أخلاقي يدفع إلى عدم التخلي عن أمثالنا في وقت الحاجة: من يوجد في حالة ضعف وفاقة وغير قادر على حل المشاكل بنفسه لا يترك بمفرده فريسة للشدائد. التضامن إذن هو مثل الروح في جسد التعايش الاجتماعي: بعيدا عن مرتكزات العولمة وتطبيقاتها التجارية السلعية، التضامن يدعو إلى تجاوز أصناف الهيمنة والإمبريالية بين الأشخاص، والشعوب.
إنسان «منزوع»
إن إنسان الألفية الثالثة الذي لم يعد بالإمكان التعرف عليه لأنه نزع من شخصيته، معزول وفاقد للخيرات العلائقية، أضاع وجهته لاعتماده كل الاعتماد على بضائع الاستهلاك التي تعزله وحده دون تقارب أو مد جسور مع عالم الاجتماع الإنساني (...) إن العولمة تهيمن بطريقة أسهل إذا "تاجرت" بالفرد المعزول؛ وهكذا فإن هذه السيرورة مملوءة وحدة ولا تعكس إلا صورة أفراد متوحدين محرومين من الخيرات العلائقية.
ونحن نشهد اليوم أيضا، وبطريقة متصاعدة بسبب تجذر العولمة وسعة انتشارها، في المجتمعات التي يغيب فيها التضامن أن الفرد لا ينتمي إلى نفسه؛ فهو قد انحط إلى "شيء" تمتلكه قوى غامضة. إن الاعتماد المتبادل بين الشعوب والأمم، بسبب تقلص المسافات الفاصلة والوعي المتساوق للأحداث في أي ركن من أركان الأرض، ولد سيرورة عولمة غريبة، حيث إنها عوضا أن تشجع على التعارف المتبادل وبالتالي التضامن الإنساني الشامل، فقد كتلت القوى، ونزعت الشخصنة، أوجدت جزرا، قطعت جسورا وسجنت الناس في حاويات، جاعلة منهم أفرادا "مكدسين"، لسهولة التحكم فيهم، وقيادتهم، أو بيعهم وشرائها بمنطق التسويق، لغاية الإنتاج والاستهلاك.
مفارقة السعادة
في العشرية الأخيرة من القرن الماضي تم التوصل إلى الحقيقة التالية وهو أن في سياق الحياة الشخصية، فإن السعادة قليلا ما تعتمد على متغيرات الدخل والثروة. هذه المفارقة، المسماة بمفارقة إيسترلين (Easterlin)، تفسر بالملاحظة التي ترى أنه، حينما ينمو الدخل الفردي وبالتالي الرفاهية المادي، سعادة الإنسان تتصاعد إلى حد ما، ثم بعد ذلك تبدأ في التناقص متبعة خط منحدر. وبالجملة يبدو أن مفارقة السعادة هذه تقع في نقطة تشابك بين الدراسات الاقتصادية والسيكولوجية؛ إن مختلف النظريات حول التكييف أو تعيين نقطة التوازن، العلاقة بين الرفاهية والسعادة، الخيرات الدائمة الصعبة وتفسير الروتين المتعب، تقود إلى استنتاج أن التحسينات الإجرائية على الشروط المادية للحياة، بما في ذلك الدخل والثروة، لا تنتج مفاعيل دائمة على حسن بقاء الأفراد، لكن فقط ظرفية وذات صلوحية منتهية. وبوجه عام، فإن مفهوم (positional treadmill) يركز على المفعولات المتموقعة للسلع الاستهلاكية؛ ولذلك فإن الرخاء المستمد منها يعتمد خصوصا على القيمة النسبية للاستهلاك ذاته، أي بقدر ما يختلف عن ذلك الذي يملكه الآخرون الذين نقابلهم، وليس من المفعول العلائقي بحد ذاته.
بعد بحوث ريتشارد إيسترلين، نشأ قطاع اقتصادي ذاتي استمد استيحاءات من شتى الأنساق بما في ذلك الاقتصاد الكلاسيكي السابق على اقتصاد الرخاء، فأعطى دفعة قوية للدراسات حول العلاقة بين الاقتصاد والسعادة. إثر ذلك عمد العديد من الاقتصاديين وعلماء النفس على إبراز "الصلوحية" المحدودة للدخل في رخاء الفرد أو، بصفة عامة، على رخاء المجتمع. وبالجملة الخيرات الحياتية غير العلائقية وغير مشتركة، لا تنتج مفاعيل دائمة على مستوى الرفاهية وهذا ما يفتح بدوره ثغرة نحو منظومة نظرية جديدة: تلك التي تسمى تاريخ "صلوحية" الأشياء الإنسانية. من المهم عند هذه النقطة من التحليل طرح السؤال عن ماهية العلاقة الأكثر ثباتا وتلك الأكثر شخصانية التي تسمح بالهروب من أغلال تاريخ "الصلوحية".
تغيير جذري
إن أسباب الأمل، في المجال الخصوصي والعمومي، يجب أن تمر بالمبادئ المثالية للتوحد بين البشر، حتى في سجل تجربتها الحياتية؛ وهذا ما من شأنه أن يجعل الأخروية ضرورة لا محيد عنها، في التصرف الشامل في عالمنا الموحد، وتحذر الإنسان والمجتمعات من استدامة حالة التذمر والقلل الباثولوجي، الناتجة عن غياب اليقينيات وعن الريبية التي تحوق بالإنسانية، وخصوصا الغربية منها، التي ربما قد تتمدد إلى العالم أجمع مع كل الاستتباعات الوخيمة.
الواجب هو عدم الإقلاع عن الأمل، والواجب هو تفادي السياسة المكيافلية الماكرة من أجل السياسة الرشيدة الملتزمة، مع ضرورة الاقتران بذلك الجهاز التوحيدي للإنسان الذي يتخذ من العقلانية كبوصلة، والإيمان كنور لكيلا يتيه المرء ولا يسلك مسلكا في الجهة الخطأ، بالنظر إلى الغايات الإنسانية النبيلة الشاملة.
إن الأمل سيكون طوباوية محبطة إذا لم يرتبط بتغيير جذري للحياة: من هنا يأتي الربط بين التضامن مع مجالات العدالة؛ تضامن يكافح ضد لامسؤولية المؤسسات التي تقترح تضامن خطيئة. في النهاية يصبح محددا وحاسما الدعوة، خارج الفردانية، لتحول الوجهة ضد الوحدة المبرمجة للعولمة الزائفة وتخطي "الخوف من الجديد". إن الإحصائيات التي تنشرها التقارير الرسمية حول الحالة المتردية للمفاعيل التي أنتجتها العولمة الزائفة تقشعر لها الأبدان؛ فالمعطيات حول استغلال العناصر الأضعف من المجتمع؛ والعنف ضد المرأة تحتم على ضمير الإنسانية اتخاذ موقف تضامني جدي شاجب وليس متواطئا مع ظاهرة واسعة وعالمية لهذا النوع من العنف.
شرعنة الأنانية
وفقا لمختلف الإحصائيات المعتمدة، مزيلات القلق هي الأدوية الأكثر تداولا وبيعا في المجتمعات الغربية. من الواضح أن النجاح المادي، دون روح ودون تضامن، يقود البشرية إلى إفلاس روحي وأخلاقي. علاوة على النشوة المغبونة والاصطناعية للتمتع الأناني، تبقى الوحدة المنشودة لإنسانية متكاملة ومتعاضدة، مرفوضة من البعض وعرضة للخيانة بطريقة أو بأخرى من البعض الآخر.
هناك ترابط وثيق بين الوحدة التي يعانيها الأفراد وعدم الوفاء بحالة التضامن؛ الاستهلاك اليومي الواسع والمتزايد باستمرار لمسكنات القلق في المجتمع الغربي، هي دليل ساطع على ذلك. إذا أردنا اتباع لويس هاوكلي (L. Hawkley)، دارس مختص في ظاهرة الشعور بالوحدة، يجب التأكيد على أن الطبيعة الإنسانية تتمثل في "العيش معا" وأن الشعور بالوحدة هو حرمان نفسي مثل الجوع والعطش بالنسبة للجسد: يكشف عن حالة نقص واختلال. الواجب إذن هو إعادة غرس وتفعيل علاقات شخصية جديدة مثمرة ومستقرة. إن المجتمع يدفع للبحث عن السلع المادية، يتوق نحو تجارب جديدة زائلة بين أفراد متوحدين وبتاريخ انتهاء "الصلوحية" وشيكة ولائحة في الأفق.
دون شك كلما أضفيت مشروعية على منطق الأنانية، كلما كان هناك خطر في أن يخنق المرء ويخنق أمثاله. لا أحد في مأمن من خطر التعرض للسحق بسبب وطأة الأنانية الشخصية، التي تتمظهر حتى في الشبقية والتراكم التبذيري. إذا كان المعيار الأوحد هو الحرية المطلقة للفرد الأناني، فإن البيت، القرية، المدينة، الوطن، تصبح فسيفساء الأنانية. أن يكون لباس اللاتضامن بدأ يتهلهل فوق أجسام الغربيين العاجزين عن ردة الفعل فهذا أمر بديهي ومعاين واقعيا. وإذا كان الأمر على هذا الشاكلة، كما يعتقد الكثير من الدارسين، فإن الفرصة قد حانت إلى إلباس الغرب ثيابا أخرى. إن البدائل عن الأنانية المستفحلة هي إعادة استكشاف حقيقة المكانة الإنسانية، أي تلك التي تعني "العيش معا"، "الوجود معا"، وهكذا نتفادى مخاطر "العدم معا".