العمى التاريخي .. فتن الأمس وحرائق اليوم
مع الأزمات الحادة التي يشهدها العالم اليوم، تتوالى الكتابات التي تستدعي التاريخ لفهم الحاضر ولمحاولة توقع الآتي. خصوصا أن التاريخ البشري يدخل اليوم منعرجات نوعية يصعب معها توقع المستقبل، مثلما كان عسيرا على الذين عاشوا قبلنا أن يتوقعوا الأحداث التي نعرفها اليوم معرفة جيدة. يتعلق الأمر بـ"العمى التاريخي" على حد توصيف المؤرخ الكبير مارك فير في أحدث إصدار له بعنوان «العمى: عندما نرفض أن نرى الحقيقة».
واقعيا نعاني مشكلتين مع التاريخ الذي نستخدم اليوم، الذي نعول عليه كثيرا في فهم متغيرات عالمنا المعاصر: فهو من ناحية أولى تاريخ لا يعرف واقعنا، ومن ناحية ثانية لا يعرف الماضي جيدا. قد تبدو المشكلة الثانية صادمة نوعا ما لبعض القراء، فكيف لا يعرف التاريخ التاريخ؟
تاريخيا، قبل قرن من الزمن (1914 ـــ 1918) كان رحى حرب ضروس – الحرب العالمية الأولى - تفتك بجزء واسع من القارة الأوروبية، ولأسباب تافهة قدمت آلاف من الأرواح البشرية قرابين لجنون وحماقات فرد أو جماعة معينة في ساحة الوغى. يعاد في وقتنا الراهن المشهد نفسه، وبأبشع الطرق، في الإقليم العربي حيث تشتد الحرائق ويتزايد سعار مشعليها وحماسة أنصارهم من الفريقين دون اتعاظ بمآلات القارة العجوز التي جنحت للسلم بعدما أنهكتها الحروب ردحا من الزمن.
تاريخيا، كان انقسام الفرق حاضرا منذ بدايات الإسلام، وكان مرده إلى خلافات سياسية، واستقرت الطائفة كمكون اجتماعي طبيعي وعادي، لكن فورة الصراع تزايدت اليوم، وتعزز عبر القراءات المشبوهة للتاريخ. وأضحت المعارك السياسة لبعض الدول تؤخذ اليوم على أساس التعبئة الطائفية لهذا التنظيم، والحشد لتلك الجماعة، ودعم ذاك الحزب رغبة في تحقيق ما لم يقع على مدار أربعة عشر قرنا في التاريخ ألا وهو تحويل المسلمين السنة إلى «طائفة» كي تتم معاملتهم وفق نظام المحاصصة.
تاريخيا، لم تكن سياسات الزعماء الغربيين تجاه العرب، وتدخلاتهم في الشرق الأوسط مجرد نزهة أو طريقا مفروشا بالورد نحو السلم والديمقراطية. فالتجارب الماضية في أفغانستان والعراق وليبيا وسورية حاليا كافية ليعلم القاصي والداني حجم الكوارث البشرية المترتبة على ذلك، التي قد يلمعون سيرهم باعترافاتهم - أوباما في مقابلة مع "فوكس نيوز" شهر نيسان (أبريل) الماضي عن التدخل في ليبيا - أمام مواطني بلدانهم، لكن قطعا لن تمحى تلك الكوارث من ذاكرة ضحاياها، خاصة أنها تندرج في صنف الخطأ المقصود.
تاريخيا، منذ قيام الدولة الحديثة في الغرب – حسب المفهوم الهيجلي- وطوال حملاتها المتكررة على العالم العربي؛ بدءا من نابليون بونابرت على مصر وهلم جرا لم يثبت أنها؛ أي الدول الغربية، قدمت عائدا إيجابيا للمنطقة العربية. فلماذا نرجوه اليوم من الحملة الغربية ضد الإرهاب، التي قدر تقرير قوبل بتعتيم كبير في الأوساط الإعلامية الغربية، صدر عن جمعية «أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية الأمريكية» - يوجد في نسيج شبكتها أطباء من حملة جائزة نوبل - عدد ضحايا هذه الحملة منذ 2001 إلى اليوم، وفي كل من دولتي العراق وأفغانستان فقط بما بين 1.3 إلى مليوني شخص من أبناء المنطقة.
يؤكد المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون أن التاريخ ظاهره الإخبار والإعلام وباطنه النظر والاتعاظ، ويذهب المؤرخ المغربي عبد الله العروي في كتابه «مجمل تاريخ المغرب» (ج 1) إلى أن الكثير من الناس، منهم المثقفون، يظنون أن التاريخ هو مجموع أحداث الماضي. هذا التعريف واضح البطلان: لا يسرد التاريخ إلا ما تبقى من الماضي محفوظا في الذاكرة. هذه ملاحظة بدهية في ظاهرها، لكن نتائجها بالغة الأهمية تعني أن التاريخ في كل حين هو ماض إذ يحدثنا عن وقائع سالفة، لكنه في الوقت نفسه حاضر.
سبب العودة إلى هذا الاقتباس الطويل لعبد الله العروي كامن في تقديمه شاهد إثبات على ما ورد في البداية عن مشاكلنا مع التاريخ؛ هذا التاريخ الأعمى من وجهة نظر المؤرخ الكبير فير الذي يجهل تاريخ فتن الأمس؛ طبعا قصدنا هنا بالدرجة الأولى ليس جهل الإخبار وإنما جهل الاعتبار.
ما يفترض وجوبا أن حرائق اليوم من الاقتتال الداخلي والتطهير العرقي والتصفية الطائفية والعنف الديني والولاء الأجنبي ... تحصيل حاصل لا مهرب منه إلا إليه. فمعضلة التاريخ هذه مضاف إليها قصر الذاكرة العربية أو بصيغة أخرى "الوعي الجمعي العربي"، تقودنا إلى ما تعجز الأعين عن مشاهدته من مذابح جماعية وحفلات للتقتيل والتنكيل العشائري في العراق وسورية واليمن ... ما خلناه حتى الأمس القريب من خدع عالم السينما فقط.
يحار المرء أحيانا بحثا عن جواب لأسئلة من قبيل: أليس هناك من طريق أقصر كي تعي الشعوب واقعها دون المرور بالمسار ذاته الذي مرت منه أمم قبلها؟ لم لا تتسارع قدرة المجتمعات على الوعي بمحيطها وإدراك واقعها بسرعة التطور التكنولوجي والمعلوماتي ذاتها الأخذة في التصاعد؟ هل الوعي وحده كاف من أجل تصحيح المسار والتغيير أم يلزمه عنصر الإرادة؟ وأيهما يحل أولا الوعي أم الإرادة؟ أم أن الأمر خاضع لمنطق الصيرورة الجدلية بينهما؟ ثم آخرا وليس أخيرا ألم تصل الشعوب بعض مرحلة الفطام بينها وبين العنف المتزايد في الرقعة العربية؟