قراءات
الدم في النصوص المقدسة
حين جاءت الأديان السماوية تباعا (اليهودية والمسيحية والإسلام) إلى حياة الإنسان واستقرت عقيدة إيمانية جلبت معها أنماطا من الوسائط التي أسهمت في استبدال ممارسات الإنسان الدموية بمحاكاة أفعال أخرى، تضمن فكرة الخلاص من الموت وتمنح الإنسان في ظل إيمانه حقه في الوجود، فكان الدم من جهة الفدية أو من جهة التكفير عن الذنب أوضح الشواهد دلالة على العطاء الذي لا يمكن لمؤمن مهما كان انتسابه الإيماني أن يأتي إلى حضرة القداسة دون أن يكون قد سفك، إما دما بشريا وإما دما حيوانيا، لينال "البر والتقوى" والخلاص. وقد تكثف مفهوم الدم بما يحمله من إحالات شتى ورموز مختلفة من خلال حضوره في النصوص الدينية الثلاثة، "العهد القديم" و"العهد الجديد" والقرآن، بأشكال لغوية ودلالية متنوعة ومتباعدة فيما بينها بحسب الأنساق المعرفية التي وردت فيها. يطرح هذا الكتاب موضوع الدم بالاعتماد على النصوص الدينية المقدسة، وهو ما يستوجب النظر إلى هذه النصوص الثلاثة، باعتبارها مصادر متباعدة زمنيا في أصل النشأة، ولكنها تنحدر من المشرب الإلهي نفسه وتتطلب مراعاة الفواصل التاريخية الفاصلة فيما بينها بثقلها الثقافي والحضاري دونما تغاض عن خصوصية كل نص ديني.
دوائر الخوف
#2#
من منطلق الإسلام الذي أجاز الاجتهاد الخطأ، بل أعطى أجرا للمجتهد المخطئ "من اجتهد فأخطأ فله أجر" ومن منطلق السعي للتفكير الحر، التفكير بلا خوف، ولا مناطق آمنة يرسمها البعض حفاظا على مصالحه، آمل أن يقرأ القارئ الذي خضع لضغط التجهيل، هذا الكتاب، متخليا عن استراتيجية"البحث عن العفريت" فيه، وهي الاستراتيجية التي بدأت تسيطر على بعض القراء بتأثير الحكم القضائي الذي صدر ضد كتاباتي. في هذا الكتاب، لن يجد القارئ "عفريتا" لكنه سيجد اجتهادات في فهم كتاب الله تعالى وفي فهم تعاليم نبيه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وفي فهم واحدة من أهم قضايا مجتمعنا المطروحة أمامنا، وهي قضية المرأة. إنها اجتهادات قد يختلف القارئ معها وقد يتفق، لأنها مطروحة للنقاش، وهي في النهاية اجتهادات لا يمتلك صاحبها سلطة من أي نوع لفرضها على الناس، والأهم من ذلك أن صاحبها يقف ضد كل سلطة وأية سلطة تحول بين الإنسان وحريته في التفكير. لا سقف ولا حدود ولا شروط تعوق حق بل واجب، الاجتهاد، سوى التمكن المعرفي؛ أي العلم بشروط وأدوات المعرفة والتمرس بأدوات البحث ومناهجه حسب المواصفات التي وصل إليها التقدم المعرفي في عصر الباحث.
منهجية القرآن المعرفية
#3#
هناك سعي حثيث في عالمنا الإسلامي لربط كل شيء بالدين، من أسلمة المعرفة إلى أسلمة الأنظمة المالية، أو محاولات التأصيل الإسلامي للاكتشافات العلمية. ومنه تبرز أسئلة تتعلق بمشروعية مثل هذا العمل، وأسئلة عن الكيفية، وعن الدوافع الكامنة وراء ذلك؟ فهل نحن بحاجة لتديين العلم؟ أم أن الدين يسعى لامتلاك أداة جديدة في عصر العلم لتثبيت حضوره الأيديولوجي في النسق الاجتماعي؟ في هذا الكتاب يحاول حاج حمد أن يطرح منهجا معرفيا قرآنيا لاستيعاب المعرفة بشقيها الطبيعي والإنساني على صعيد المنهج، واضعا مسافة بينه وبين الكتابات التي تقارب أو تقارن بين الإسلام والعلم، فأسلمة العلوم كما يقول حاج حمد: "ليست مجرد (إضافة) عبارات دينية إلى مباحث علم النفس والاجتماع أو الأناسة، وغيرها بأن نستمد آيات قرآنية ملائمة لموضوعات العلم المقصود أسلمته، وحتى الذين فهموا الأسلمة بهذا المعنى إنما جعلوا أنفسهم هدفا لسخرية الآخرين فحق عليهم القول بأنهم يحاولون احتواء الحضارة العالمية الزاحفة احتواء سلبيا من موقع الدفاع العاجز من بعد فشل فكر المقارنات والمقاربات. فالأسلمة ليست إضافة وإنما "إعادة صياغة منهجية ومعرفية" للعلوم وقوانينها، فأي محاولة لأسلمة هذه العلوم لا تستند إلى ضابط منهجي كلي ومعرفي في الوقت ذاته لن تؤدي إلا إلى تشويه الهدف من الأسلمة".