هاروكي موراكامي .. الراوي بوصفه طفلا قلقا
"لماذا كان على أمر مثل هذا أن يحدث لي؟ كل ما قمت به هو زيارة المكتبة لاستعارة بعض الكتب". رواية "المكتبة الغريبة" القصيرة للروائي الياباني هاروكي موراكامي، بأفكاره الخرافية التي تمتد بخيالها الخصب لتبدو أشبه بقصص الأطفال، بدءا من تصميم غلافها عبر دور النشر الأمريكية "كوبف" في عام 2014 وهي أشبه بإعادة نشر الرواية القصيرة "المكتبة الغريبة" التي تم نشرها في عام 2008، إلا أنها تظهر بحلة جديدة، ويظهر غلاف الرواية مغلفا وكأنه هدية، يتم فتحه عموديا لتكتشف ما بداخله بشغف، دون ترقيم للصفحات، وإن كانت تصل إلى 96 صفحة، مع صور جانبية مرافقة تذكر القارئ البالغ بقصص الطفولة المصورة، فيما يشبه قصة ليلى والذئب، وإنما لطفل ياباني انطوائي يذهب إلى المكتبة باحثا عن كتاب نظام الضرائب في عهد الدولة العثمانية، وإن كان الخيار عشوائيا بهدف إشباع فضول عارضي، ليحضر له رجل عجوز مجلدات منها ويقنعه من جراء تعبه في البحث عنها أن عليه البقاء لما بعد ساعات العمل لقراءتها. ويصف الطفل الذي يظهر بشخصية الراوي بأنه يمتلك شخصية غير قادرة على رفض طلب يوجه إليه، حتى وإن كان غريبا. ما يدفعه إلى مجاملة الرجل العجوز وملاحقته في دهاليز للوصول إلى غرفة القراءة رقم 107، واكتشاف هدفه المرعب بإرغامه على القراءة حتى يتسنى له التهام مخه الذي يمتلك نتيجة القراءة معلومات طازجة يود التمتع بها بنهم، بما هو أشبه بحكايات شعبية خرافية. الرواية تعد ذات طابع سريالي يمتزج بقبس من الواقع ومن تصورات تدفعك بتخيل مكتبة ضخمة تخلو من القراء وكأن من الممكن لها أن تحوي قصصا مرعبة وشخصيات مريضة نفسيا من الممكن أن تهاجمك دونما سبب.
ولا تعد أحداث الرواية القصيرة بمستغربة لمن قرأ أعمال موراكامي، الذي ألف كتبا عديدة أصبحت من الأكثر مبيعا، وترجمت إلى ما يزيد عن خمسين لغة، من أبرزها رواية كافكا على الشاطئ والغابة النرويجية. إذ يظهر العمل الروائي على الرغم من قصره وخفته امتدادا لخصائص أعماله الأخرى التي تعد من السهل الممتنع، الغامض الشديد الوضوح، وذات الغرائبية التي تمتاز بها أعمال موراكامي، والابتعاد عن تسمية الشخوص ووصفهم حسب صفاتهم التي عادة يغلب عليها الشخصية المنسحقة الانطوائية القابلة للتعرض للاضطهاد، والتي بالفعل فيما بعد تنضوي تحت سلطة شخصية انسيابية مطلقة الشر. فما الراوي إلا عبارة عن طفل قلق يترقب ما حوله بوجودية مفرطة متجردا عن المشاعر، بشخصية انهزامية يشكك الآخرين أن كل ما يراه عبارة عن هلاوس طفولية، أو تصورات مبالغ فيها لطفل يهوى القراءة ويمتلك خيالا خصبا يضخم الأحداث التي تجري من حوله. أما الشخوص الآخرين فيظهرون بمواصفات خيالية، كالرجل الخروف الأثيري، الذي يبدو وكأنه امتداد لانهزامية الصبي الياباني، وتظهر شخصية الرجل الخروف في عمل روائي آخر لموراكامي. فيما تمتد أثيرية العمل لتظهر فتاة حسناء صامتة تتحدث عبر الإشارات، ويحمل وجودها غموضا، ويتأثر وجودها حسب تحورات القمر. كعادة الروائي الياباني يحتفظ بقبس من الغموض في وصفه الشخصيات وكأنه يتحفظ في وصفهم، ويتلاعب في العلاقة فيما بينهم ليدمجهم وكأنهم يعيشون كجزء من الواقع المعيش، في الوقت ذاته الذي يظهر فيه كل شخص وكأنه يعتلي عالما موازيا للآخر، عبر أجواء مبنية ليتم تصديقها والعيش فيها. إذ تختلف العوالم وطبقاتها حسب منظور الآخرين كما تصف الفتاة التي فقدت صوتها: "الرجل الخروف لديه عالمه. لدي عالمي. وأنت تمتلك عالمك، أيضا. إذا لم أكن موجودة في عالم الرجل الخروف، فذلك لا يعني عدم وجودي مطلقا".
تبهر أعمال موراكامي القارئ كونها تظهر سهلة سلسة على الرغم من عمقها، فما بين الشخوص ارتباط يأتي من محاولة التخلص والهروب من سلطة متجبر، فالرابط الذي يتعمق في ظل وجود شر مطلق يهدد حيوات وحرية الآخرين. والأغرب في جميع تلك الأعمال هو ردود الفعل الهادئة والبعيدة عن أي انفعال، تظهر وكأنها استجابة تلقائية للحدث، ومحاولة براجماتية لإيجاد حل للأزمة التي ظهرت للتو، دون اكتراث أو بحث متعمق لحيثياته، وبعيدا عن أي حالة من الانهيار أو حتى التفاجؤ بحدوثه.
القارئ الذي اعتاد أعمال هاروكي موراكامي يشعر بارتباط أكبر بالعمل الروائي وكأنه امتداد لأعماله الأخرى. إلا أن العمل يعد قصيرا جدا ينتهي بعد برهة قصيرة من البدء في قراءته ليجعلك على الرغم من إدراكك بأن الفكرة انتهت، وأركان الرواية موجودة ومكتملة، ومتشكلة في ذهن القارئ، إلا أنك تطمح في ذلك الإسهاب الذي تميزت فيه أعمال موراكامي الأخرى، المنافية للاختصار والأحداث القليلة في هذا العمل، وإن كان عملا إبداعيا جميلا يبحر في معاني التوحش والفقد، والوقوع في مآزق ترغمك على مواجهة كوابيسك ومخاوفك الداخلية. إذ إن تلك الكوابيس إذا لم يتمكن المرء من مواجهتها من الممكن أن تلاحقه بشكل مرعب، حتى الوصول إلى مرحلة أشبه بالاختناق، فإما تقضي عليك وإما تفيق منها لتكتشف انحناءة حياتية جديدة.