«اقتل فقط لتأكل».. هذا ما تمليه الغابة على إنسانها
هناك شعور بالسعادة يرتبط بإحساسنا بالنوستالجيا أو استرجاع شيء من الماضي يذكرنا بحقبة زمنية سابقة. تلك السعادة لا يمكن تفسيرها إلا بحنين وتعلق بشيء لم يعد موجودا، فحين يأتي ما يذكرنا به يظهر بحلّة وكأنه أجمل مما سبق.
وذلك ما يذكرنا به فيلم ديزني الجديد "كتاب الأدغال" الثلاثي الأبعاد، وهو من من إخراج جون فافرو يعتمد على المغامرة والإثارة. الفيلم مقتبس من الأعمال الأدبية للبريطاني رديارد كيبلينج التي نشرها في ماض بعيد يعود إلى عام 1894. الفيلم الأخير وهو من إنتاج طفل ديزني، بدأ فريق العمل على إنتاجه منذ عام 2013، وهو عبارة عن تطوير لما قامت شركة ديزني بإنتاجه في عام 1967 وهو فيلم كرتوني للقصة ذاتها، وإن كان الفيلم الجديد يركز أكثر على المؤثرات البصرية والإبهار من خلال التصميم الجرافيكي، الذي تجاوزت إيراداته 879.8 مليون دولار. من جهة أخرى، تم إنتاج مسلسل كرتوني في عام 1989 ترتبط به ذاكرة عديد ممن عاشوا طفولتهم فترة التسعينات باسم "ماوكلي فتى الأدغال"، من إخراج الياباني فوميو كوريكاوا، والمكونة من 52 حلقة مقتبسة من أعمال كيبلينج والفيلم الكرتوني لديزني، وقد تمت ترجمته لما يزيد على 22 لغة عالمية.
تجري أحداثها في غابة في الهند، تأتي مرتبطة بحياة الروائي ذاته الذي عاش جزءا من حياته في الهند، ليرغمك الفيلم وإن كان الفيلم الأخير الذي أخرج في عام 2016 في قالب مختلف يعتمد على جماليات التصوير السينمائي، إلا أن مجرد رؤية شخصية ماوكلي وعلاقته بالغابة وحيواناتها تعطي المشاهد نوعا من استرجاع لمشاهد مرتبطة بالطفولة.
تعود القصة إلى الصبي اليتيم ماوكلي الذي يترعرع في الغابة بين قبيلة من الذئاب، ليكتشف فيما بعد اختلافه عنهم، في الوقت الذي يبدأ الآخرون بالنفور منه والتعجب من تشابه مواصفاته بالبشر، ليطلقوا عليه مسمى "الرجل الجرو" الذي يتوقع منه أن يكبر ليستحيل إلى رجل كامل، وهو ما يعد بمثابة تهديد لحياة الغابة والحيوانات التي تعيش على قانون الغابة دون منغصات للحياة الطبيعية.
الفيلم على الرغم من بساطة فكرته يظهر عمق العلاقة بين النفس البشرية والطبيعة، وإمكانية التعايش بين البشر والحيوانات، وإن كان ذلك يعكس علاقة الأنا بالآخر، وكأن الحيوانات تظهر لنا علاقة الآخر بنا والصورة النمطية لنا من منظورها هي، كتصورها أن البشر وحشيون يمتلكون سحرا يعجزون عن استخدامه، كامتلاكهم الوردة الحمراء، وما هي إلا النيران التي يستخدمونها لإخافة الحيوانات.
#2#
من جهة أخرى، هناك إبراز لمدى قدرة الإنسان على التكيف حسب البيئة التي يعيش فيها، ومدى تأثير المحيط بطبائع الإنسان، فتربية الذئاب للطفل ماوكلي دفعته لأن يصبح متصفا بخصالها، ويظهر براعة في التكيف مع الغابة وحيواناتها، ويبدو ذلك أشبه برحلة استكشاف للذات وإثبات القدرة على العيش على الرغم من الظروف الصعبة.
يظهر الفيلم تركيزا على المؤثرات البصرية وكأن هناك استعراضا للقدرة على التلاعب بهذه المؤثرات لإبهار المشاهد. وقد قام بالإنتاج السينمائي بيل بوب معتمدا اعتمادا كبيرا على مزيج من تقنيات الحاسوب الجرافيكية واقتباس تصوير حي فعلي لحركة الحيوانات للحصول على حركات أقرب لطبيعتها، ما يعطي إضافة جديدة لقصة ماوكلي أكثر إبهارا لمن تستهويه المؤثرات البصرية، إذ يتجلى الاهتمام بأدق التفاصيل في المشاهد التي تجسد الغابة بأشجارها السامقة وألوانها المتعددة. وذلك فيما يظهر كأنه توجه جديد للأفلام ذات الميزانيات الضخمة التي يتهافت عليها المشاهدون. من الأفلام الشبيهة بذلك فيلم "حياة باي" التي تعتمد على صراع صبي مع حيوانات مفترسة، وفيلم "العائد" الذي يقوم فيه شاب بمواجهة طبيعة تعصف به وتهاجمه بضراوة.
وقد استلزم فيلم "كتاب الأدغال" اختيار طاقم الممثلين بحثا مضنيا بالأخص شخصية الطفل ماوكلي، الذي تم اختياره من بين آلاف الأطفال في كل من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا ونيوزيلاند، ليقع الخيار على نيل سيثي، فيما قام بدور الأصوات طاقم من الممثلين المشاهير أمثال كريستفر واكين، وسكاريلت جوهانسون وإدريس ألبا.
ففي مثل هذا الفيلم وعلى الرغم من أن فكرته تبدو لأول وهلة بسيطة، تتجسد علاقة الفطرة وطبيعة النفس البشرية ومدى علاقتها بالبيئة التي يترعرع فيها المرء، التي تعد المطور الفعلي للشخصية والطباع والمنظور حيال الحياة. وفي هذه الحالة يظهر التلاحم مع الطبيعة إلى الدرجة التي يتمكن فيها الصبي ماوكلي من التحدث بلغة الحيوانات وفهمها والنظر إلى البشر وكأنهم كائنات غريبة لا يشعر حيالهم بأي انتماء لابتعاده عن الحياة معهم.
تأتي القصة المحورية المعتمدة على التكيف مع الطبيعة من خلال مشاهد تخلط ما بين الدعابة والخيال الخصب كالتقاء ماوكلي بالثعبان كا صاحب نزعة الشر والالتواء، والحوارات الظريفة مع الدب بالو كمناقشة الغناء والالتباس بينه وبين الحملات الدعائية أو "البروباجاندا" التي اعتاد عليها الذئاب.
في رحلة عكسية يظهر من خلال التعرف على الآخر، تظهر الحيوانات التي تمثل الآخر متوجسة من البشر الذين يشكلون تهديدا لحيواتهم، بطباعهم الشرسة الانتهازية، وحيازتهم قدرات عقلية متطورة، الأمر الذي حدا بها لتصور النيران وكأنها سحر وقوة لا يمتلكونها بمسمى الوردة الحمراء.
فيما يأتي الطفل ماوكلي متمكنا من التناغم مع الآخر بحكم حياته في الغابة، إلى الحد الذي استطاع حفظ قانون الغابة وهو عبارة عن قانون غير مكتوب يقنن ويحدد القوانين التي تسري على جميع الحيوانات، بما فيها قبيلة الذئاب التي تربى بينها ماوكلي وتعلم على يدها تلك القوانين، ومن ضمنها عدم قتل حيوان آخر بهدف التسلية، وإنما من أجل الجوع فقط. من الجميل أن يصل المرء إلى تلك المرحلة من فهم الآخرين وإن كان قد تسبب في أزمة هوية تظهر في قالب مرح يتناسب مع المشاهد سواء كان طفلا أم بالغا ليرتبط به بحميمية بديعة.