قراءات

قراءات
قراءات
قراءات

تأويل التاريخ العربي

سعيا منا إلى التفكير في الخطاب العربي المعاصر الذي يعالج مسائل التاريخ، وحرصا على تحليل آليات الفكر العربي الحديث في تأويل الماضي والعقل التراثي، عمدنا إلى كتابات بعض المفكرين المغاربة المعاصرين نتدبر آراءهم ومناهجهم ورهاناتهم بالتقصي والنقد، في نزوع منا إلى تكوين مشهد عام عن الخطاب التحديثي في الفكر العربي المعاصر، فلعل ذلك يكون المسوغ الأول لطرح موضوع “تأويل التاريخ العربي عند بعض المفكرين المغاربة المعاصرين”. والقارئ لعنوان المبحث تستوقفه لا شك جملة من الإحراجات التي يثيرها الموضوع ويبدو له العنوان من أول وهلة إشكاليا من وجوه. لماذا نتحدث عن تأويل التاريخ والحال أن كتابة التاريخ فعل تأويلي بالضرورة؟ أليس التأويل بداهة من بداهات العقل البشري المؤمن أبدا بثنائية الظاهر والباطن؟ ألسنا نعتقد أن كل ظاهرة لها وجه وقفا أو سطح وقاع؟ فهل نعني بالتأويل التاريخي الغوص إلى الأعماق بتجاوز العوارض أم نهدف إلى معنى آخر؟ محمد بن محمد الخراط باحث تونسي حاصل على الدكتوراه في الحضارة حول موضوع “تأويل التاريخ العربي عند بعض المفكرين المغاربة المعاصرين”. عضو في وحدة البحث “اتصال العلوم وانفصالها في الثقافة العربية” كلية الآداب في سوسة، وأستاذ الحضارة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس. نشرت له مجموعة من المقالات والدراسات العلمية.

#2#

أنطولوجيا الذات

لماذا الذات الآن، والأوروبي، بكل ما يملك من شعور بالتفوق، كان قد أعلن منذ منتصف القرن الماضي موت الذات؟ لستُ ممن يسيرون وراء طغاة الفلسفة وتلامذتهم، لست مهموماً بهمّ زائف، مثل العودة إلى السلف أو استعادته لأسأله أجوبة عن مشكلات وجودي. ولست مكترثاً بإيجاد التشابه، ولا بإزالة الاختلاف. لماذا العودة إلى الذات؟ العودة إلى الذات مواجهة مصيرية مع العقل التقني – الرأسمالي، مع العقل المصرفي – العولمي الذي لا يرى الإنسان ابناً للأم – الطبيعة. العودة إلى الذات ليست عودة رومانسية إلى الطبيعة، بل عودة إلى الطبيعة من أجل حمايتها من التدمير الإجرامي الذي يمارسه الرأسمالي والسلطة المدافعة عنه. ولهذا آن لنا أن ننتقل من حافة الفلسفة إلى الدخول في أتونها، متكئين على وعيٍ أولي بالفلسفة. لا ليست مهمة الفلسفة إضاءة الكهف وإبقاء الناس فيه، بل إخراج الناس من الكهف إلى الكينونة الحرة. غير أن مهمة كهذه تتطلب أولاً وقبل كل وعي وعياً بالكهوف نفسها وبحال الساكنين فيها. وقبل أن أحدد الكهوف الكائنة أسأل: هل حقل التفلسف ممكن الآن؟ الذات هذه التي أسعى وراءها هي الذات التي أعيد لها صوتها بعد أن أصمتوها، أزيل خفر الظهور عن وجهها بعد أن حجّبوها، أعيد لها قلبها بعد أن حجّروها، أكشف عن جمالها بعد أن قبحوها، أنشر تنوعها بعد أن قتلوها، أعيد لعقلها حق التفكير بعد أن شلّوها، أعيد جناحيها إليها بعد أن سمّروها، ثم أضع في يدها المرفوعة الشعلة بعد أن رمدوها.

#3#

فلسفة التأويل

من الأندلس، حيث عاش ذروة الصراع بين المسيحية والإسلام كما بين الاتجاهات المختلفة للمجتمع؛ سنة، شيعة، أشعرية ومعتزلة، فقهاء وفلاسفة ومتصوفة، غادر ابن عربي إلى المشرق، حيث وجد أن الخلافات قد مزقت وحدة دولة الخلافة، وحوَّلتها إلى دويلات متنازعة. في ظل هذا الجو المُلَبّد بالصراع على جميع المستويات اجتماعياً وسياسياً ودينياً وفكرياً وحتى لغوياً، عاش ابن عربي وتشكلت نظرته إلى العالم والكون. لقد واجهنا في هذا الكتاب فلسفة ابن عربي في جوانبها الوجودية والمعرفية، مفاهيمه الخاصة بماهية النص الديني ودوره الوجودي والمعرفي، ومفهوم اللغة بمستوياتها المتعددة، باعتبارها الوسيط الذي يتجلّى من خلاله النص. والمراتب المختلفة والمتعددة للوجود الإنساني، تخضع لهذا التصور. من هذا المنطلق يفرّق ابن عربي بين ظاهر الوجود وباطنه، ويرى ضرورة النفاذ من الظاهر الحسي المتعين إلى الباطن الروحي العميق في رحلة تأويلية لا يقوم بها إلا الإنسان، لأنه الكون الجامع الذي اجتمعت فيه حقائق الوجود وحقائق الألوهة في الوقت نفسه. لا يقف مغزى دراسة التأويل عند حدود التراث بكل ما يمثله من قيمة، بل يمتد هذا المغزى إلى الواقع الراهن الذي نعيش فيه جميعاً؛ فالنص الديني، بكل ما يحمله من تراث تفسيري، واقع متعيّن في حياتنا اليومية، وفي ثقافتنا المعاصرة. ودراسة قضية التأويل يمكن أن تكشف لنا عن أصول كثير من المواقف التفسيرية التي تدافع عن موضوعية المفسر وتاريخيته التي تفترض تجاوز واقعه وهموم عصره وتبنّي موقف المعاصرين لظهور النص، فيَفهم النص كما فهموه في إطار معطيات اللغة التاريخية في عصر نزوله.

الأكثر قراءة