«سايكس بيكو» الثانية .. بدماء الشعوب لا بحبر الإنجليز والفرنسيين

«سايكس بيكو» الثانية .. بدماء الشعوب لا بحبر الإنجليز والفرنسيين
«سايكس بيكو» الثانية .. بدماء الشعوب لا بحبر الإنجليز والفرنسيين

تعود عقارب الساعة ومعها الذاكرة العربية إلى الماضي في مثل هذا اليوم؛ وبالتحديد لقرن من الزمن من أجل استحضار مجريات الأحداث التي رافقت توقيع اتفاقية سايكس بيكو الذي يُصادف 16 أيار (مايو) من عام 1916.

ثلاث قوى كبرى "فرنسا، بريطانيا، وروسيا" أشرفت حينئذ على تقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية أو الرجل المريض بلغة ذلك العصر، بيد أن الأنصبة لم توزع سوى بين دولتين، لذلك حملت الاتفاقية اسم ممثليهما، ونقصد "جورج بيكو" القنصل العام السابق لفرنسا في بيروت الذي عينته الحكومة الفرنسية مندوبا ساميا لمتابعة شؤون الشرق الأدنى، و"مارك سايكس" المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى اللذين أسفر لقاؤهما في القاهرة بإشراف روسي على توقيع "اتفاقية القاهرة السرية" التي أفضت إلى جولة مفاوضة جديدة في مدينة بترسبورج الروسية، وأسفرت عما بات يعرف بـ "اتفاقية سايكس بيكو".

لا مناص من التنبيه إلى ملاحظة جوهرية ودقيقة في ذات الآن لها صلة بواقعنا المعاصر قبل أي تحليل للمتغيرات الطارئة على هذه الاتفاقية أو استشراف مآلات ومدى صلاحياتها من عدمه في الوقت الراهن، مفادها أن الجرة قد كسرت وبات المشهد القديم للإقليم العربي جزءا من التاريخ، فحتى لو حلت كل مشكلات المنطقة وهزمت "داعش" ونجح الجميع في إقرار الاستقرار يبقى من الصعب والعصي جدا أن يظل المشهد القديم للإقليم على ما هو عليه.

1916 جرح عميق في الذاكرة العربية

قد يبدو الأمر أقرب إلى السخرية منه إلى أي شيء آخر، إذ لا يعقل أن تدبج مواد في مئات وأحيانا آلاف الصفحات في هياكل الأمم المتحدة حول قضية أو أزمة داخل دولة دون أن تجد طريقها إلى الحل في أيامنا هذه، في وقت حدد فيه مصير أمة لها من الإرث التاريخي والحضاري والديني والثقافي ما ليس لغيرها باتفاقية تتضمن الاتفاقية 12 مادة. ورسمت الحدود النهائية بين الإمبراطوريتين التي قسم الشرق وإفريقيا في ضوئها بالقلم الرصاص والمسطرة في مؤتمر سان ريمو في عام 1920.

إن كانت تفاصيل العملية وحيثيات التقسيم "هزلية" بين القوى الاستعمارية ففكرته على النقيض من ذلك تماما في غاية الجدية والمشروع في منتهى الإتقان، وكانت غايته قطع الطريق أمام الحلم العربي بإنشاء كيان عربي سياسي موحد، وتبديد الوعود التي أعطيت للعرب.

بهذا الأسلوب حددت معالم هذا العالم العربي الذي نعيش فيه الآن، وانتقلت الحدود التي كان الغرض من ورائها تمييز كل قوة استعمارية لمدى نفوذها في علاقتها مع باقي القوى المتصارعة في المنطقة، لكنها تحولت مع توالي الأيام من إرث خلفه المستعمر إلى واقع قائم تعايش العرب معه تدريجيا قبل أن يقدموا على ترسيمه وشرعنته قانونا بموجب مقتضيات القانون الدولي.

2016 «سايكس بيكو» جديدة في الأفق

كل الدلائل على أرض الواقع، وبشكل خاص أحداث العقدين الأخيرين، تشير إلى أن هذه الخريطة الهشة أوشكت على السقوط، أو بصيغة أكثر دقة نقول إن هناك مساعي لتصحيحها فمردود مغانمها لم يعد مناسبا مع تكلفتها، وهذا الأمر ليس بالجديد، ففي عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر صرح مستشاره في الأمن القومي بأن المعضلة التي ستعانيها الولايات المتحدة من الآن "1980" هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران تستطيع الولايات المتحدة من خلالها تصحيح حدود اتفاقية سايكس بيكو.
#2#
واعتبر المحلل "الإسرائيلي" سيفي رخلفسكي أن المشكلة التي تواجه العالم في هذه الفترة هي عدم إعطاء بعض القوميات والطوائف دولا خاصة بهم، داعيا إلى تغيير حدود الحرب العالمية الأولى في المنطقة. من جهته قال مدير الأمن الخارجي الفرنسي برنار باجوليه في مؤتمر في جامعة جورج تاون الأمريكية أواخر العام الماضي "إن الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة... العراق وسورية لن يستعيدا حدودهما السابقة". في وقت تذهب فيه بعض الآراء الغربية إلى أن الوطن العربي سيتشكل في القادم من السنينم ما يقارب خمسين دولة، وسيكون لكل طائفة ومذهب وقومية دولتها الخاصة.

ويبقى العامل الجديد في المعادلة القائمة منذ قرن من الزمن هو دخول لاعبين محليين فيها؛ ونقصد بالتحديد الجماعات المسلحة والحركات القومية والتنظيمات الطائفية، ممن يدخلون في حرب استنزاف طويلة الأمد على النقيض من الدول التي تبقى في النهاية تحت مظلة "القوانين الدولية" بما توظفه من أدوات دبلوماسية أو ردعية حسب كل سياق "مثلا غزو العراق للكويت والسعي إلى تغيير خريطة المنطقة".

لكن أبرز فارق بين ما نعيشه اليوم وما كان قبل قرن من الزمن، أي بين "سايكس بيكو" القديمة والجديدة يكمن في أن هذه الاتفاقية الجديدة ترسم الحدود الجديدة لدول المنطقة بدم شعوب المنطقة  بعكس الاتفاقية القديمة المرسومة فقط بقلم حبر إنجليزي وفرنسي.

كلام يُصدقه الواقع

على الرغم من أن خلافات الحدود والأقليات كثيرة، فإن حروبها قليلة، وقد تعايشت معظم الأمم معها؛ طلبا للسلم والاستقرار. كما أن الدعوات الانفصالية لم تجد كثيرا من التعاطف، مهما كانت مسوغة، خوفا من انتشار عدواها، إذ توجد ميول انفصالية في أغلبية دول العالم اليوم.

لكن العالم العربي يبقى الاستثناء الوحيد حيث تشجع وتدعم وتمول هذه الحركات، بل يتم تبني مطالبها رسميا من طرف منظمات حقوق الإنسان وبعض الدول الغربية لا لشيء إلا لمزيد من التقسيم والتجزيء؛ وكأن التاريخ يعيد معنا في الحاضر واقعة ملوك الطوائف في الأندلس.

لست هنا بصدد التنبؤ أو الرجم بالغيب في مجال حيوي وحساس جدا، لكن لهذه القراءة معطيات واقعية تقرها وتضفي عليها نسبة من المصداقية. ولمن يرتاب أن يتأمل في واقع العراق وسورية ومعهما لبنان واليمن أيضا، وبعدها يجيب عن أي مقومات دولة "السيادة، الإقليم، والشعب" يمكننا الحديث هناك. أما السودان فقد استهلوا به واقعة مراجعة "سايكس بيكو" بحيث دعموا انفصال الجنوب ذي الأغلبية غير العربية عن الشمال العربي. وجارته الشمالية ليبيا سائرة على نفس النهج بتقسيم ثنائي أو ثلاثي.

هذا عن المشاريع التي وصل أجل تنفيذها أما التي في طور التخطيط والبرمجة والإعداد فتشمل المغرب في صحرائه التي تتسارع وتيرة الأحداث في الآونة الأخيرة لإيجاد "دويلة" للصحراويين بينه وبين الجزائر وموريتانيا، وفي المشروع حديث أيضا عن مصر، إذ ما انفك الكلام يتردد هنا وهناك على لسان رجال السياسة والإعلام الغربيين عن سيناء مصر.
بقي أن نشير أخيرا إلى أن "سايكس بيكو" الثانية لن تكون بتدخل أجنبي، فكل مهامه التخطيط بينما التنفيذ والجرأة الميدانية سيكونان لبني جلدتنا بدعم النزعات الانفصالية في هذا البلد أو ذلك حتى نصير في وضع أشبه بنظام "الفيودالي" في أوروبا العصر الوسيط.

الأكثر قراءة