قراءات
أعلام في الذاكرة
في البدء كانت الحكاية، فما الحياة سوى حكي متواتر، من متن لآخر، والحكاية في البدء تقول إن فتى منغوليا جاء الحكيم كونفوشيوس يسأله: كيف لي أن أخدم وطني؟ أمعن الرجل في السؤال، فأجاب بكل امتلاء: قل الحقيقة، بالحقيقة وحدها نخدم الوطن، ولو كانت مزعجة. ثم سأله وكيف لي أن أخلّد في التاريخ؟ فردّ كونفوشيوس: إن أردت المكوث نصف قرن فعليك بإنجاب أبناء، ولتمكث قرنا وزيادة قم بغرس شجرة، ولتخلّد أبد الدهر أكتب كتابا. إن الأعلام التي تحاول هذه السلسلة استقراء مسار حياتها مختلفة أشد الاختلاف من نواحٍ عدة (التكوين، مجال الإبداع، البيئة، الانتماء...)، لكن القاسم المشترك الوحيد بينها هو اختيارها الانتصار لحكمة كونفوشيوس بقول الحقيقة والدفاع عن الحرية، فبغير الحرية لا نستطيع السعي إلى الحقيقة... وبغير الحقيقة تصبح الحياة مجرد تسجيل لأقدمية زمنية. شخصيات رفعت في حياتها شعار “من يصبح حرا مرة... يظل حرا طوال العمر” ضدا على مختلف أنواع السلطات، السياسية، الاجتماعية، الفكرية والدينية... التي لاحقتها طوال مسار اشتغالها، بل تخال نفسك وأنت تمتشق تفاصيل حياة كل واحد منها بصوت عميق ما ينفك يتردد في الآذان، يقول لك إني أستطيع أن أعطيك قلبي.. فأصبح جائعا، أعطيك ثروتي.. فأصبح فقيرا، أعطيك عمري.. فأصبح ذكرى. ولكنني لا أستطيع أن أعطيك حريتي، إن حريتي هي دمي... هي عقلي... هي خبز حياتي، لأني لو أعطيتك إياها فإنني سوف أصبح شيئا له ماض.. ولكن ليس له مستقبل. أسماء آمنت برسالة الحرية التي صارت عندها شعورا ملتهبا في الأعماق ضدا على مختلف أنماط الاستبداد، رسالة إنسانية تأخذها نحو التماهي وقتل الأنا في سبيل نحن جماعية. أسماء كانت ولا تزال وستبقى خالدة وقادرة على مواجهة كل السلط بما فيها سلطة الموت، لأنها وببساطة تؤمن بقيم الحرية ومبادئ إنسانية تسمو عن كل هذه السلطات.
#2#
الحديث إلى العدو
يتمحور هذا العمل تقريبا حول ما يؤمن به كل شخص ولكن القليلين فقط يريدون الموت من أجله إنه حول الإيمان بشيء مهم يتجاوز مصالح الأفراد وعائلاتهم المباشرة. إنه حول طبيعة الايمان وأصل المجتمع وحدود العقل. يحاول هذا العمل الإجابة على سؤال: لماذا يؤمن الناس بقضية؟ ولماذا يموت البعض ويقتل من أجلها؟ تتمثل الإجابة باختصار في أن الناس لا يقتلون ويموتون ببساطة من أجل قضية. إنهم يقتلون ويموتون من أجل بعضهم بعضا. سيبين هذا العمل كيف ولماذا حصل هذا: في التطور البشري وعبر التاريخ؛ من غابات جنوب شرق آسيا ومن الأراضي السياسية البور للشرق الأوسط إلى نيويورك ولندن ومدريد. لا يرتكب الإرهابيون الإرهاب لأنهم منتقمون بشكل استثنائي أو غير مكترثين أو فقراء وغير متعلمين ومذلولين أو ينقصهم الاحترام الذاتي، أو تم تدريسهم أطفالا في دين متطرف، أو تم غسل أدمغتهم، وذوي عقول تميل إلى الإجرام، أو انتحاريين أو متعطشين للحور العين في السماء. ليس الإرهابيون في أغلب الأحيان عدميين ولكنهم متطرفون أخلاقيا وهم مؤثرون مشدودون إلى أمل أحمق. يرمي هذا العمل من خلال هذه الاعتبارات العملية حول كيفية مواجهة الإرهاب وكيفية التعامل مع النزاعات التي تبدو مستعصية ظاهريا إلى تقديم رؤية أشمل لأصل الدين وتطوره وأوبئة الحرب وظهور الحضارات وإيجاد مفهوم البشرية وحدود العقل.
#3#
«كانط» والحداثة الدينية
جيل كامل من العقول والنخب الصغيرة ترعرع في أحضان التنوير مثلما صاغته، عام 1784، مقالة صغيرة للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: “ما هو التنوير؟”. وفي الحقيقة مثّلت هذه المقالة أفقا عاما لأجيال من العقل العربي، رئة أخرى لاستنشاق رائحة الحرية في ظلّ أنظمة استبدادية تستعبد الأجسام والعقول. قبل الـ 14 من كانون الثاني (يناير)، مثّل التنوير للفلسفة في الوطن العربي الكبير بديلا ممكنا عن الثورة، إمكانية للتحرر بعقولنا ونصوصنا ومدارسنا من جهلوت الاستبداد وطاغوته وسحقه اليومي للمساحات الحرة. وعلى الرغم من أن التنوير قد غيّر من مواقعه ومن عناوينه مرات عديدة فإن العقل الفلسفي العربي ما انفكّ في عود على بدء، استئنافا أو اختصاما أو مغايرة، للأفق الوسيع لتنوير رسالته الأولى “تجرأوا على استعمال عقولكم”. ما الفرق بين التنوير والثورة؟ وإلى أي مدى بوسعنا أن نستعمل عقولنا في مدننا الحالية المؤقتة؟ وماذا نستعمل من أنفسنا ونحن في حالة ثورة لا نعرف مصيرها؟ عقولنا أم غضبنا؟ وهل يصلح العقل كي تولد الثورات وتزهر وتترعرع؟ في هذا الكتاب نميز بين التنوير والثورة من خلال فلسفة كانط، فهناك فلاسفة يصنفون ثوريين، وهناك آخرون يصنفون محافظين. إلى أي صنف ينتمي كانط؟ كانط ليس فيلسوفا ثوريا، وليس فيلسوفا محافظا. هذه هي المفارقة التي يعالجها هذا الكتاب: كان كانط معجبا بالثورة الفرنسية ويعتبر التمرد على صاحب السيادة حقا غير شرعي أصلا. لماذا فضّل التنوير على الثورة؟