«مصائر» المدهون: القدس وقد ابتعدت عني
"كانت القدس التي في ذاكرتي قد ابتعدت عني". تلك العبارة المقتبسة من رواية: "مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة" للروائي والكاتب الفلسطيني ربعي المدهون التي فازت بجائزة البوكر للرواية العربية في عام 2016، وهي ثاني رواية له ترشحت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر بعد روايته "السيدة من تل أبيب" في عام 2010، وهو أول روائي فلسطيني يفوز بالجائزة ليعد ذلك بمثابة احتفاء وإحياء للأزمة الفلسطينية والهوية المتلاشية. الرواية صادرة عن كل من المؤسسة العربية للدراسات والنشر وعن مكتبة كل شيء، جاءت عبر 267 صفحة من القطع المتوسط، وطبعت منها طبعتان في عام 2015.
أزمة هوية
"لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي". الرواية تتمحور حول أزمة الهوية الفلسطينية والتقلب ما بين البقاء أو العودة إلى أرض المهجر فيما بين التشتت والتغريب. وقد ذكر الروائي في مقدمته "قبل القراءة" تحكي عن الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد حرب 1948، وعن آخرين أيضا هاجروا تحت وطأة الحرب ويحاولون العودة بطرق فردية. تتلاقى فيها شخصيات فلسطينية عربية وأرمنية منتمية لأرضها متمسكة بها، وأخرى تتعايش مع أزمة العيش مع اليهود لإيجاد فرص حياتية أفضل، فيما يأتي آخرون ترغمهم الظروف إلى إيقاظ الذاكرة والأوجاع القديمة عبر زيارة الأماكن. فالأحداث تجري في ست مدن فلسطينية تتضمن مدينة أوروبية وأخرى أمريكية وثالثة كندية. إلا أن ذلك يظهر حضور فلسطين وهوية المواطن وتعلقه بموطنه تظهر في كل أرجاء الرواية."أغني لي وللمدينة التي عشقتها مثل ملايين البشر".
كونشرتو موسيقي
تتراشق الأحداث من خلال توليف النص في قالب الكونشرتو الموسيقي من خلال أربع حركات تحكي كل منها حكايا شخصيات مختلفة تبدو وكأنها قصص منفصلة تماما عن الأخرى، ليظهر مدى تناسق الأحداث والتقاء الشخوص يتضح بصورة أكبر في آخر حركة في النص. كما يظهر من خلال العنوان من خلال الكونشرتو والتطرق إلى قضايا أهمها النكبة التي وصفت عبر صفحات الرواية عامها 1948 بأنه عام انكسار السعادة الوطنية، فيما يظهر الحديث عن الهولوكوست من منظور ضحايا فلسطينيين.
بقاء ورحيل
"أنا دعوة لتعذيب الذات" يقف الشخوص بصور وتخيلات تنم عن الشاعرية في مواقف أشبه بالبكاء على الأطلال، كوصف ذلك البيت "الذي كانت حرارته تغنيه عن التدفئة المركزية، صار يرتعش من البرد". لتظل الذاكرة هي عنوان ومضمون الرواية بكل نواحيها، واستحضار المكان من خلال التذكر، التفاوت ما بين التمسك بإرث الأرض والبيوت والهوية أو التخلي عنها. هناك شخصيات لها حضور قوي في أحداث عديدة للرواية، كشخصية جولي النصف أرمنية ونصف بريطانية، بلهجتها المتكسرة وعدم قدرتها على نطق الحروف العربية بطلاقة، والتي تعود إلى ديارها لتقيم لوالدتها جنازة ثالثة تلبية لرغبتها. ومن خلال ذلك تتطرق الرواية لوالدتها إيفانا وهي من أهل عكا التي تتزوج شابا إنجليزيا ما اضطرها لمغادرة البلاد بعد تبرؤ أهلها منها. وتسعى جولي من خلال عودتها إلى إضافة بعض الرتوش إلى صورة ابنة الإنجليزي التي قدمتها للآخرين. وتظهر وكأنها بمنظور غربي يستكشف الشرق لأول مرة، وكأنها في رحلة استكشافية ترغب من خلالها في اقتناء الهدايا التذكارية، واستنشاق روائح كل ما هو قديم في البلاد وانتشائها بها، في الوقت الذي تحاول فيه تلبية رغبة والدتها في اختيار مكان دفنها: "أريد أن أدفن هنا وأن أدفن هناك". وأن يأخذ هذا النصف من بقاياها إلى القدس القديمة. تظهر شخصيات أخرى تواجه إشكالية قرار البقاء أم الهجرة كتساؤل شخصية باسم: "عن سبب هجرته لموطنه وتخليه عن جمع عدد من التحف التذكارية والهدايا النادرة، وروائح التوابل والبهارات، وابتسامات الفلاحات الفلسطينيات المطرزة بالنعناع والزعتر". كل ذلك يتلخص في أزمة الغياب. "حتى أنتِ يا جنين، حاضرة غايبة، زي كل الفلسطينيين في هالبلاد، بس أنا يا حبيبتي غايب غايب".
«اللامنتمي»
يأتي عدم الانتماء من واقع عدم التعرف على تفاصيل المكان. كعدم تعرف على البيوت، كبيت والدها الذي تتساءل إن كان مدى إدراكها له مجرد "مراوغة ذاكرة أثقلتها نوستالجيا بنتها حكايات تشبه الوصايا وراكمتها على مرّ السنين". أو تلاشي ملامح الهوية. "لم يتبق من فلسطينيته سوى الاسم والماضي". أو حتى مقت للتفاصيل المحيطة بالحياة المحلية كالتقاليد ومقت حتى طقوس الرثاء والتأبين الذي تصفه بأنه "ليس أكثر من حفل استغابة معلن ومتفق بشأنه، يستغله المؤبنون لغسل إساءاتهم للميت خلال حياته". أو الخوف من المجهول أو الإخفاق بشكل عام. "ربما خفنا منفردين، من هزيمة محتملة تستبق أحلام أحدنا أو تلغيها".
مرونة الوصف
برع الروائي ربعي المدهون في التوصيف اللغوي بأسلوب سلسل يحمل طابعا تقريريا وجوديا خاليا من الوصف التعبيري العاطفي. فالعاطفة تظهر من خلال الصور التخيلية، ما أعطاه مرونة في سرد الأحداث تظهر براعته في الابتكار ما ينمّ عن خبرة كتابية. كتضمين بداية الحركة الأخيرة احتمالين، إما زيارة حيفا أو القدس، واحتمال مواجهة شخصيات ومواقف مختلفة. من جهة أخرى، اختار الروائي ظهورا عارضا لشخصيته كمرور ربعي المدهون للمطار أو التطرق إلى محاضرة غرائبية له بأسلوب أقرب إلى التهكمي، ووصفه له بأنه رجل واضح وغامض في الوقت نفسه. في الوقت ذاته الذي تحتبس فيه شخصيات في الرواية في مطار لاشتباه بتورط بأنشطة إرهابية، وكأن ذلك يرمز إلى مرحلة انتقالية تظهر وكأنها أبدية أشبه بحالة اختناق في مكان ضيق. الحس الساخر ينم عن رفض صامت للوضع الراهن، في الوقت الذي يتقاطع فيه الواقع بالخيال إلى حد الالتباس. كمعاتبة شخصيات لرواية لربعي المدهون ومحاولتهم اللحاق به لمعاتبته. أو ظهور شخصيات الرواية الافتراضية "فلسطيني تيس" للكاتبة جنين التي تظهر تفاصيل حياتها من جهة أخرى.
استحضار الذاكرة
"الحب يبدأ افتراضيا". يظهر جزء من الرواية محاولة الهروب من الواقع المعاش والأزمات من خلال نسج حكايا لعشق افتراضي وعلاقات افتراضية بل وحتى برامج تقوم بلم شمل افتراضي، وكأن الحب والأمل والذكريات كلها مرتبطة بالعالم الافتراضي. ذلك الإمعان في محاولة استحضار الذاكرة من خلال الأحداث يظهر بصورة أقوى عند الاقتراب من الحركة الثالثة في كونشرتو الرواية، واستخدام المتاحف كحالة مستفحلة من التعلق بالماضي، أو استذكار المآسي كالهولوكوست من جهة كلوحة فنية تنسج أسماء ضحاياها في سماء المحرقة النازية، وإقامة متحف آخر يسمى بـ "ذاكرة الفلسطينيين". انسيابية الأحداث تجعل الأفكار السياسية تأتي دون إقحام. حيث يبكي المرء أولئك المتزاحمين في السماء يبحثون عن مكان يلمّ أسماءهم.