ما «الغرب» .. جهة تُقصَد أم هوية عابرة للقوميات؟

ما «الغرب» .. جهة تُقصَد أم هوية عابرة للقوميات؟

ما الغرب؟ تساؤل قد يبدو مسوّغا لو جاء على لسان شرقي أو عربي أو ثالثي - نسبة إلى العالم الثالث - للالتباس الذي قد يشوب تلقِيه لهذه الكلمة أو بالتدقيق المفهوم فيما يتصل بجغرافية الغرب أو تاريخ قومياته أو أصول قيمه.. أو غير ذلك.
لكن أن يأتي التساؤل على لسان أبنائه ممن رضعوا القيم الغربية، وترعرعوا في أحضان مؤسساته وكانت تنشئتهم داخل مجتمعاته؛ إما نفيا أو إثباتا لأسطورة الغرب، يفرض علينا التفكير مليا، لا بل الإقرار بوجود أزمة عند كل حديث عن ماهية الغرب؟ حدوده الجغرافية؟ تاريخ نشأته؟ وهكذا إلى السؤال الألف حول إحدى أقوى الأساطير في التاريخ الحديث والمعاصر.
بداهة وبلا استغراق في التفكير: الغرب هو أوروبا وأوربا هي الغرب، ما يعني أن التحديد هنا جغرافي أي القارة الأوروبية. لكن هذا التحديد المجالي - نسبة إلى المجال - لا يلبث أن يكون محط شك وريبة حين تظهر للوجود عناصر جديدة سرعان ما تندمج في شجرة النسب الخاص بالغرب، فتسمح له يتجاوز إطار وحدود القارة الأوروبية، فلا تعود معادلة "الغرب = أوروبا" مقبولة في هذه الحالة. إذ تقوم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ومعهما أستراليا بإعطاء هذا الغرب بعدا استثنائيا في الفضاء الجغرافي، الذي تُسبغه عليه جذوره الإغريقية والرومانية.
الأمر ليس تحديدا جغرافيا بل الغرب فكرة لا غير حيثما تجسد فثمة غرب؛ إنها فكرة الحداثة، فهذا المفهوم ما لبث أن أضحى مرادفا لمفهوم الغرب؛ بحيث إن الأول يقبل على دعم المحتوى الأسطوري للثاني. لكننا نتساءل ألا يمكن تصور حداثة غير تلك التي أنتجها الغرب؟ ثم لماذا عندما تظهر التأثيرات السلبية للحداثة خارج أوروبا تُنسب، وعن سبق إصرار، إلى بربرية غريبة عن الغرب.
توالت ومنذ عقود خلت الآراء والمواقف حول تحديد هوية "الغرب"، وماهية هذا المسمى العصي عن الحصر والتعريف، فهذا فيليب نومو Philippe Nemo في كتابه "ماهية الغرب" (2004) يرى أن اللحظة التأسيسية للغرب أو بالأحرى اللحظات هي: اليونان القديمة؛ الحضارة الرومانية وسيادة الثقافة اللاتينية؛ التوحيد اليهودي، المسيحية الأوروبية الشمولية للقرون الوسطى وتعارضها مع مسيحية الإمبراطورية البيزنطية؛ الغزوات البربرية وبخاصة حروب قبائل الجرمانية التي صارت جزءا من تقاليد القرن التاسع عشر الفلسفية والأدبية، الحروب الصليبية، طرد المسلمين واليهود من الأندلس، عصر التنوير...
مع التعمق في الكتاب يرتب هذا الأكاديمي الفرنسي أفكاره فيحصرها تباعا في: 1) ابتكار الإغريق للمدينة والحرية في ظل القانون والمدرسة.؛ 2) ابتكار روما لكل من القانون والملكية الخاصة والفرد والإنسانوية؛ 3) الثورة الأخلاقية الأخروية التي أتى بها الكتاب المقدس؛ 4) الثورة البابوية ما بين القرنين 6 و13 حقبة التوليفة بين المعرفة الإغريقية (أثينا) والقانون الروماني (روما)؛ 5) الإعلاء من شأن الديمقراطية الليبرالية، وما تولد عنه من ثورات ديمقراطية كبرى كما يسمونها. بيد أن هذا الطرح يفتقد إلى التجانس والترابط بين المراحل الزمنية، فهو يكشف عن انتقائية فجة في التعامل مع التاريخ والأحداث تأسيسا لبناء تاريخي أو نشأة تكوينية للغرب.
كثيرة هي الأسماء التي أدلت بدولها في السجال حول الموضوع، وحاولت جهد الإمكان بكل ما امتلكت من قوة إقامة تأسيس أو نقطة ارتكاز لفكرة الغرب. فهذا المؤرخ الفرنسي الشهير جاك لوجوف Jaques le Goff لم يتردد في عنونة كتاب له "أتكون ولادة أوروبا في القرون الوسطى؟" (2003).
بينما يذهب زميله في حرفة التأريخ البريطاني أنطوني باكدن Anthony Pagden في كتاب جماعي تحت إشرافه إلى تحقيب زمني لأصول الغرب بعنوان: "فكرة أوروبا: من الأزمنة القديمة إلى الاتحاد الأوروبي" (2002). أما أنطوان شارل فون جوتنبرجAntoine Charles Von Guttenberg فقد أعلن بصراحة عن انحياز ومركزية واضحة في كتابه "الغرب قيد التشكل: دراسة خلاصية نقدية لركائز القرن العشرين" بتأكيده أن الغرب، طبقا لجوهره الأكثر صميمية، - حسب رأيه - جمع من الرجال رسم منذ انطلاقته الأولى على الكرة الأرضية، وفي كل مراحل حياته، حدوده المؤشرة لخصوصية وجوده وطرق عيشه وتفكيره، وذلك عبر هجراته، وتحركاته الاستيطانية، ونجاحاته كما إخفاقاته وانكساراته المشرفة.
بيد أن كل ما يقدمه هؤلاء وغيرهم من الحجج لا يصمد كثيرا أمام أسئلة مؤرقة لأكاديميين مرموقين من طينة جان باتيست دوروزيل Jean-Baptiste Duroselle من قبيل قوله "فليُغفر لي إن أنا بدأت هذا الكتاب بإرساء أسس النقاش. إذ يبدو لي فعلا أن المؤرخ، أيا كان عمق "انتمائه الأوروبي"، يجب عندما يكتب أن يفكر كمؤرخ وليس كأوروبي. ذلك أن الموقف المنحاز للأوروبة Européiste يؤدي إلى أن يسقط على الماضي حقيقة اليوم. ومن يفعل ذلك إنما يُحرف الماضي ويشوهه، وبهذه الطريقة يصبح الحاضر غير مفهوم".
ومن المعاصرين الذين أزعجت آراؤه حول الموضوع كثيرين المفكر الفرنسي إيمانويل تود Emmanuel Todd الذي أخرج دولة من حجم ألمانيا من حدود الغرب، فالدول التي تمثل جوهر الغرب، ومن زاوية نظر تاريخية، هي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، أما ألمانيا فقد أنتجت أسوأ أيديولوجيتين استبداديتين في القرن العشرين؛ وهما الماركسية والنازية.
بعيدا عن الأسماء ومواقفها، نتساءل كيف يمكن الحديث، وبهذا الاستسهال عن غرب كوحدة كلية متجانسة، ونحن نقفز عن تاريخ دموي أسود خاضته هذه الشعوب والقوميات فيما بينها كان آخرها حربي 1914 - 1918 و1939-1945. ثم عن أي إحساس مشترك أو رابط هوياتي يمكن أن يكون بين جرماني تعود أصوله إلى شعوب الشمال التي تُنعت حتى الأمس القريب بالوحوش من طرف أبناء الإمبراطورية الرومانية وفرنسي نورماندي.
وهل يمكن تحت بيرق الغرب أن ندمج قسرا تعددية ألسنية ولغوية ظاهرة للعيان على امتداد القارة الأوروبية "الفرنسية، الإسبانية، الإيطالية، البرتغالية، الألمانية، الإنجليزية،..." وحدها دون الخروج إلى أمريكا الشمالية، ناهيك عن التنوع في مجال الاعتقاد الديني "الأرثدوكس، البروتسنانت، الكاثوليك،...".
كل هذه الفوارق والاختلافات تُصهر بقوة، ويدمغُ بعضها في بعض حتى لا تطفو إلى سطح غرب منسجم موحد ظاهريا لكل من ينظر إليه حتى صار الأمر أشبه بيقين مطلق لدى الجميع. وفي المقابل تُحرك عندنا كل البيارق والنعرات الطائفية والعشائرية والقبلية والحزبية والقومية... وهلم جرا من التصنيفات لمزيد من تجزيء المجزأ وتفكيك المفكك في أمة عربية يتوافر لها من القواسم المشتركة "اللغة، الدين، التاريخ المشترك، وحدة المصير..." أكثر مما لدى أي أمة أو قومية أخرى في هذا العالم.

الأكثر قراءة