الحركة الحوثية خواء سياسي .. إنجازه الوحيد «عسكرة المذهب»
ترافق تأسيس الحركة الحوثية وتناميها في العقد الأخير من القرن الماضي، مع مرحلة شهدت المنطقة فيها حالة من الانقسام السياسي نتيجة حرب العراق. وكثير من الخلافات حول عدد من القضايا العربية. فضلا عن خلافات يمنية يمنية لم تظهر فيها الحركة أي نوع من القدرة السياسية التفاوضية. ما يعزز من حقيقة مذهبية هذه الحركة وعسكرتها، حاضرا ومستقبلا، وفقا لمراقبين.
لكنّ جملة من العوامل التاريخية والمذهبية والسياسية في اليمن أسهمت في صعود الحركة بشكل غير مسبوق بعد "الربيع العربي" عام 2011، إذ استفادت الحركة الحوثية من تراجع هيبة الدولة، وانحسار السلطة المركزية في مناطق نفوذ الحركة، ومستندة إلى دعم جهات إقليمية ذات أهداف وأطماع توسعية في المنطقة، حسبما تفيد رئيسة مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي الدكتورة ابتسام الكتبي في تصديرها كتاب "الحركة الحوثية: تجاذبات السياسة والعسكرة والتمذهب" الذي صدر عن المركز، وهو بمثابة خلاصة لورشة عمل عقدها مركز الإمارات مطلع نيسان (إبريل) عام 2014، قرأت تنامي الدور الحوثي في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية التي تعصف باليمن والمنطقة بأسرها. وفي العودة إلى الوراء قليلاً، يمكن معاينة كيف أفرزت الوحدة اليمنية وضعاً جديداً تمكن أتباع المذهب الزيدي في ضوئه من تأسيس تيارات سياسية وثقافية٬ لاستعادة دورهم والحفاظ على هويتهم٬ منها تأسيس حزب "الحق" الذي ضّم في هيئته علماء دين ومثقفين وسياسيين٬ وشارك في أول انتخابات برلمانية بمقعدين٬ شغل أحدهما: حسين بدرالدين الحوثي؛ مؤسس الحركة الحوثية لاحقاً٬ وكذلك تأسيس "منتدى الشباب المؤمن" الذي افتتح برامجه الثّقافية في عام الوحدة اليمنية.
وكان كّل عام يشهد تطّوراً حتى نجح في فرض وجوده كتيّار ثقافي ديني يهتم بفئة الشباب، وقد وجد حسين بدر الدين الحوثي في هذه المؤسسات أرضية مناسبة٬ وبنية تحتية مهيأة ليبدأ دعوته بين شباب الزيدية في صْعدة٬ وأيقظت حركة الحوثي الطّموح السياسي لدى حكام الأمس٬ بعد مخاض عسير لنشأة وتطُور الحركة ٬تخلَّلته عدة مواجهات عسكرية٬ حتى تمكنت من بسط نفوذها في الشمال اليمني٬ وصولاً إلى العاصمة صنعاء٬ مستفيدةً من حالة الفوضى والارتباك التي أصابت الدولة اليمنية نتيجة المسار المتعثر الذي مرت به العملية الانتقالية بعد "الربيع العربي" وبدعم وإسناد من قادة الثورة في إيران.
وباتت الوحدة بين شطري اليمن مهددة في ظل تراجع كبير لسيادة الدولة٬ وانقسام حاد بين فرقاء العملية الانتقالية٬ وانتشار واسع للسلاح دفعت الحركة الحوثية الطائفة الزيدية في اليمن إلى الانتقال من بُعدها الفقهي والاجتماعي التقليدي بعد سقوط نظام الإمامة٬ إلى شكل من أشكال العمل السياسي المدعوم بقوة السلاح٬ والمحّمل بفكر رسالي عابر للحدود٬ يلتقي سياسياً مع المشروع الإيراني في المنطقة٬ على الرغم من الخلاف الفقهي والعقدي بين الزيدية والتشيع الاثني عشري٬ وهو خلاف يمكن له أن يتطّور في حال امتلاك الحركة الحوثية من عناصر القوة والانتشار ما يضعها في موقف التنافس مع المشروع الإيراني٬ وهو أمر مستبعد في المدى المنظور٬ أما ما هو قائم الآن٬ فهو التقاء بين المدرستين "الزيدية والجعفرية" على قاعدة الاعتقاد بـ "ولاية الفقيه" في الجملة٬ وكذلك على فكرة "الثورة". ويعزو الكتاب أسباب نشأة الحركة الحوثية وعوامل استمراها إلى ذلك الاهتمام الإيراني المبكر في اليمن، وسعي إيران إلى الحصول على موطئ قدم فيه، لأسباب دينية، وأخرى تتعلق بطبيعة العلاقة المتوترة مع السعودية.
وتقوم المنطلقات العقدية للحركة الحوثية، كما يذكر الكتاب، على تأكيد أنّ الولاية هي حق حصري لأهل البيت "باعتبارهم مرجعية الدين، وساسة الدنيا، وأنّ ذلك هو المنقذ الوحيد للعالم الإسلامي". وتنهض المنطلقات العقدية للحركة الحوثية أيضاً على البحث عن "القائد القدوة الذي يحظى بتأييد سماوي، ليكون الأمر والقرار بيده، وطاعة الأتباع المطلقة لا تكون إلا له، وهو من تقع على عاتقه مسؤولية قيادة الأمة، وإخراجها من الظلم الذي يوقعه عليها حكامها والقوى الدولية الكبرى".
#2#
وبخصوص التسلح وعسكرة الحركة الحوثية، يرصد الكتاب، كيف نحت الحركة منذ نشأتها جانب العنف اللفظي في التعاطي مع المختلفين معها، وقذفتهم بتهمة العمالة، وبذلك دخلت في جدل مع مخالفيها، تحوّل مع المشادة إلى مواجهات، ثم إلى حروب مع الدولة والخصوم السياسيين.
وفي السياق ذاته، يلاحظ أنّ الحركة تؤكد أنّ العسكرة والتسلح لم يكونا هدفاً لها، وأنها كانت تتخذ من ذلك وسيلة لحماية نفسها، وهذا، وإن كان أحد أسباب نزوع الحركة إلى التسلّح، فإنه ليس السبب الوحيد؛ "فالطبيعة الرسالية للحركة ومنطلقاتها العقدية توجب عليها حمل السلاح للاضطلاع بمهمة محاربة الظلم، وتحطيم الحدود، لإقامة دول العدل المنشودة، بحسب اعتقاد قادتها". لذا كان معظم عناصر الحركة، كما يؤكد الكتاب، يملكون قطعاً من السلاح قبل الانضمام إلى الحوثي، كونهم جزءاً من المجتمع اليمني "الذي يُعرف بالميل إلى اقتناء السلاح، كما مثّلت الحرب سبيلاً مهماً لتسليح الحوثيين من خلال ما غنموه فيها من آليات عسكرية وأسلحة متوسطة وثقيلة".
وبلا شك، فقد أفاد الحوثيون من التناقضات الإقليمية، ورغم نفي الحركة المتكرّر لاتهامات الدولة اليمنية لها بتلقيها دعماً عسكرياً من إيران، وهي اتهامات لم تخلُ من المبالغة آنذاك، إلا أنّ سيطرة الحركة على صنعاء كشفت عن "وجود دعم إيراني للحركة على مستوى التدريب والتمويل، ونقل الخبرة العمليّاتية في القيادة والسيطرة والتوجيه على أقل تقدير". وفي غمرة التطورات الدراماتيكية التي عصفت بالمنطقة وباليمن، ومحاصرة الحوثيين صنعاء بقوة السلاح، "انقلب الحوثيون على السلطة في شباط (فبراير) 2015، وأصدروا إعلاناً دستورياً، وفرضوا قراراً بحل البرلمان اليمني، وأخذوا يعملون على إخضاع تعز وعدن وأبين بقوة السلاح، ويبحثون عن أنصار ومؤيدين في حضرموت والمهرة وشبوة". وفي بحثه عن مصادر تمويل الحركة الحوثية، يرى كتاب "الحركة الحوثية: تجاذبات السياسة والعسكرة والتمذهب" أنّ الحوثيين أفادوا من البنية التحتية التي هيأها "منتدى الشباب المؤمن" في بداية التكوين، واعتمدت الحركة، خلال تلك المرحلة، على التطوع بالجهد والوقت والممتلكات.
كما قام أنصار الحركة "بجباية الزكاة والصدقات الشرعية التي اعتاد الناس توزيعها بأنفسهم على مصارفها تحت باب سبيل الله"، وفق الكتاب الذي يزيد بأن استيلاء الحوثيين على مدن ومؤسسات جعل دخلهم يوازي دخل الدول.
وتحت عنوان مستقبل الحركة في ضوء الواقع الراهن، يرى الكتاب أنّ رؤية الحوثي المؤسس لم تتجاوز في الشأن السياسي إحياء مبدأ "ولاية أهل البيت"، تاركاً تفاصيل إدارة الدولة، والشأن العام لـ "أهل البيت" عند تمكّنهم من الحكم. كما عمل الحوثيون على "هيكلة أنفسهم كتيار حزبي منظم، يتكون من عدة أجنحة؛ سياسية وعسكرية وتعبوية".
وفي سياق التصورات حول الاندماج السياسي وتماسك البنية الداخلية للحركة الحوثية، يلاحظ الكتاب مفارقة تكمن في أنّ قيادة الحركة تحرص على تقديم نفسها "كمشروع للخلاص الإسلامي، عابر للخصوصيات المذهبية، على الرغم من أنّ خطابها الديني، لا يتضمن إلا النزْر اليسير من المفردات التي يرتفع سقفها فوق الخصوصية المذهبية". ويضع الكتاب ثلاثة سيناريوهات للحركة الحوثية، أولها الاستمرار في التمدّد والتوسع، وفيه تتجه الجماعة ليس فقط إلى توسيع حضورها المسلّح ليشمل جميع المحافظات الشمالية، إنما أيضاً النفاذ إلى الجنوب.
أما السيناريو الثاني فهو مراوحة الوضع القائم، بأن تنأى الحركة بنفسها عن "التورط ميليشاوياً في الجنوب، ومحاذرة التمدّد المسلح هنالك، في حين يتمثل السيناريو الثالث في الانكماش والتراجع، وهو سيناريو يصطدم، كما يقول الكتاب، بـ "حسابات خاصة تصعّب إمكانية حدوث اشتغال إقليمي ودولي واسع، يهدف إلى نبذ الحركة ومحاصرتها".
ويوصي الكتاب بضرورة الاشتغال على البعد العروبي للشيعة في المنطقة، فضلاً عن ضرورة احتواء الحركة الحوثية وتفريغها من محتواها عبر تكريس الاستقرار في اليمن، وكذلك التركيز على عدم قدرة الحركة على إدارة شؤون الدولة، "فالحركة لا تملك أي رؤية تنموية، أو خبرة في إدارة الشأن العام، تمكّنها من معالجة الوضع المعيشي المتردي في اليمن".