الديمقراطية بين تاريخين .. معلن وخفي

الديمقراطية بين تاريخين .. معلن وخفي
الديمقراطية بين تاريخين .. معلن وخفي

يقدم ستيفن ستوكويل (Stephen Stockwell) وبنجامين عيسى خان (Benjamin Isakhan) في كتابهما الموسوم بعنوان "التاريخ السري للديمقراطية" (2011) الذي أعداه بمعية ثلة من الباحثين – يتضمن 13 ورقة بحثية- وترجمه إلى اللغة العربية معين الإمام في نحو 350 صفحة، ضمن منشورات منتدى العلاقات العربية الدولية بالدوحة (2015)، تأريخا كاشفا أو بالأحرى «فاضحا» للسردية التاريخية الكبرى التي يروج لها الغرب عند كل حديث عن فكرة الديمقراطية. ويعتمد -أي الغرب- في ذلك الأسلوب ذاته القائم على احتكار حقوق ملكية بعض المفاهيم (الديمقراطية، التنوير، الحداثة، حقوق الإنسان ...) بغية إثبات مركزيته في العالم المعاصر وبسط سلطته وسيطرته عليه.

يعالج المؤلف أهم الإشكالات المتعلقة بالديمقراطية وتاريخها، والرؤى الفكرية المتعلقة بها، ويعيد تأطير لا بل محاصرة الموضوع بجملة من الأسئلة النقدية المتعلقة بالتأريخ للديمقراطية ونماذج تمثلاتها. ويبقى أبرز إشكال مركزي تسعى الأوراق البحثية التي وردت في الكتاب لتحليله هو التفريق بين التاريخ القياسي لوجود الديمقراطية والتاريخ السري لها، من أجل تقديم رؤية أكثر ديمقراطية لتاريخ الديمقراطية، متجاوزة بذلك السردية المألوفة عن نشأة وتطور الديمقراطية السائدة الآن بين المهتمين وفي المقررات الدراسة في الجامعات، وقوامها المطابقة بينها وبين مسار الحضارة الأورو لاتينية، مع الحرص على النفي والإثبات، وفق ما يدعم أسطورة تميز وتحضر ونبل الإنسان الأوروبي «الرجل الأبيض».

منهجية الكتاب، وتداخل الموضوعات المثارة فيه، ونوعية الأسئلة التي يبحثها، تقود قارئه عند بلوغ النهاية إلى خلاصة واحدة شبه يقينية، تتعلق بالتأكد من والتأكيد على قيام نقطة ارتكاز مشتركة للإنسانية في بناء مسارها، وانعقاد حد أدنى من الأفكار -"فطرية ربما"- لدى الجنس البشري في تنظيم وتدبير حياتهم مع تسجيل الاختلاف والفوارق طبعا في التفاصيل. ولا أدل على ذلك من تلك التجارب التي عرضها الباحثون عند حضارات مختلفة، وفي رقع جغرافية متباينة وممتدة عبر التاريخ.

تكشف تفاصيل الأجزاء الأربعة للكتاب عن هاجس الإحاطة والشمول لدى محرريه، والحرص على توسيع العينات والشواهد والأدلة، بغية كسر الإطار التقليدي لمقاربة الديمقراطية في نسختها الغربية. فالجزء الأول المعنون بـ "الديمقراطية ما قبل الأثينية" يحتوي على أربعة أوراق هي تباعا: ما هو "البدائي" في "الديمقراطية البدائية"؟؛ ما قبل أثينا: الحكومة الشعبية المبكرة في فينيقيا والمدن الإغريقية؛ جمهوريات ومؤسسات شبه ديمقراطية في الهند القديمة؛ التنقيب عن الديمقراطية في الصين.

بينما يبحث الجزء الثاني مسألة "الديمقراطية في «العصور الوسطى»" من خلال جولة في أعماق التاريخ الوسيط، ولدى شعوب وحضارات مختلفة، فنجد فيه ثلاث دراسات؛ إحداها عن الديمقراطية في التجربة الإسلامية "خلف الحجاب: تاريخ الديمقراطية في الإسلام"، والأخرى عن آيسلندا القروسطية قبل الخضوع للملك النرويجي "مثل ومطاميح: الديمقراطية ووضع القوانين في آيسلندا القروسطية"، والأخيرة عن "الثقافة الديمقراطية في جمهورية البندقية المبكرة".
#2#
وكأني بتلك الأوراق السبع – في الجزأين الأول والثاني- بمنزلة مرافعة في حفريات أو جينالوجيا الديمقراطية، لإثبات التحريف والزور في حق «التاريخ الرسمي» المتداول عن الديمقراطية في الأوساط الغربية، الذي صدرته إلى باقي أنحاء العالم في ما يشبه النسخة الوحيدة الرسمية المعتمدة لأي حديث في أو عن الديمقراطية.
وحتى لا ينتقد الكتاب على انحصاره في النصف الشمالي للكرة الأرضية فقط، نجده يطرح في الجزء الثالث بعض التجارب التي تحمل في ثناياها بذور ديمقراطية في عنوان مثير "الديمقراطية الأهلية المحلية والاستعمار".

وفيه يقدم أبحاثا ترصد روح الديمقراطية لدى الشعوب «البدائية» و«غير المتحضرة» من منظور الإنساني الأوروبي. بدءا بـ"الديمقراطيات الأهلية في إفريقيا" و"الصيادون الذين امتلكوا أنفسهم" مرورا بـ"سكان أستراليا الأصليين والديمقراطية"، وصولا إلى مبحث عن "التاريخ السابق لتسوية ما بعد النظام العنصري" في أقصى نقطة من القارة السمراء.

وجاء الجزء الأخير "تيارات بديلة في الديمقراطية الحديثة" عن الخيارات الجديدة التي تفرض ذاتها رويدا على الساحة النظرية، وكذا في الممارسة العملية لمختلف أشكال وصيغ الفعل الديمقراطي. فالواقع المعاصر اليوم يتجه نحو مزيد من التأزم على مستوى الممارسة الديمقراطية، إذ بمرور الوقت بدأ شبه إجماع يتبلور بين الباحثين والمهتمين بالديمقراطية من أن هناك اتجاها نحو إبقائها مجرد شكليات ومساطر مفرغة من أي محتوى أو مضمون بل الانقلاب أحيانا على جوهر وأصل الفكرة الديمقراطية.

غني عن البيان أننا نتحدث عن الأزمة، ونحن ندرك أن النظام الديمقراطي؛ بما يحمله من أفضلية لتحقيق إرادة الشعوب سواء في مجال الحرية السياسية أو في ميدان العدالة الاجتماعية، كان بلا منازع حصاد القرن العشرين.

وجدير بالإشارة كذلك أن سهام النقد وجهت لديمقراطية في أوجه تمددها، ألم يقل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل (Winston Churchill) قولته المشهورة: "إن النظام الديمقراطي هو أقل الأنظمة سوءا". ثم توالت بعد ذلك من قبل نخبة من علماء السياسة نذكر منهم تمثيلا لا حصرا أسماء ثقيلة في معادلة الفكر والفلسفة في الساحة الغربية من قبيل: "كلوس أوف" (Claus Offe)، "يورجن هابرماس" (Jurgen Habermas)، "ميشيل كروزيه" (Michel Crozier). وحديثا جدا نذكر "كولن هاي" (Colin Hay)، وكذا "جاك رانسيير" (Jacques Rancière) صاحب الكتاب الرائع "كراهية الديمقراطية" (2009).

أحيانا كي نحكم على الأفكار، يجب فقط ألا نتساءل عن بنائها المنطقي، ولكن أن نحكم عليها انطلاقا من تجارب واقعية عملية، لذا كانت ضرورة فتح هذا القوس والتعريج على كل هذه الأسماء المعروفة في بحر علم السياسة الفسيح، بغية ربط ما تطرحه من انتقادات للديمقراطية مع ما جاء في الكتاب عن التاريخ الآخر للديمقراطية، لنتساءل أليست في تلك التجارب التاريخية بوادر إصلاح الأزمات التي تغرق فيها الديمقراطية الآن؟ ألن تكون أفكار مَن ننعتهم بالبدائيين مخرجا للمأزق التي تحاصر فكر وممارسة المتحضرين اليوم؟

الأكثر قراءة