خراب إيراني آخر في سورية

"إيران تبقى دولة داعمة للإرهاب الدولي"
وزارة الخارجية الأمريكية

لعبت إيران على المكشوف في مجال التشييع في سورية، منذ عهد السفاح الأب حافظ الأسد، الذي يسر لها كل السبل من خلال "أئمة" غالبيتهم من العراقيين الشيعة عاشوا في سورية، على مدى عقود. كان الأسد الأب، يحرص (رغم دعمه للحراك الشيعي) على ألا تظهر على الساحة أي تصادمات مع السوريين، ولا سيما رجال الدين السنة الذين نظروا منذ البداية بارتياب لهذا الحراك التخريبي. وعلى الرغم من حدوث بعض الصدامات، خصوصا بعد أن تجرأ أئمة الشيعة المكلفون بالتبشير الشيعي في سورية، إلا أنها ظلت محدودة، والأهم بقيت تحت السيطرة إعلاميا. أي أنها لم تنتشر على هذا الصعيد، بصورة قد تشكل مخاطر على الساحة المحلية السورية. من التجاوزات الشيعية الإيرانية مثلا، الادعاء بوجود قبور لأشخاص من عائلة الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ـــ في مساجد مختلفة، و"رعايتها" بشكل صحيح.
بعد أن ورث سفاح سورية الحالي بشار الأسد الحكم عن أبيه، زاد من زخم الحراك الشيعي على الساحة السورية. ومنذ مطلع العقد الأول من هذا القرن، طور الحراك الشيعي فعاليته ليضيف إلى جانب "التبشير" حراكا اقتصاديا اجتماعيا، يتخلص في توفير بعض الخدمات لسكان مناطق بعينها تقربا إليهم، والقيام بشراء ما أمكن من الأراضي والعقارات السورية في أي مناطق من البلاد، مع التركيز على دمشق والمناطق التابعة لها باعتبارها ذات أولوية إيرانية شيعية. بلغت الحرية التي تمتع بها أئمة إيران في سورية، أن تقدموا بعروض لشراء مساجد سنية، من أجل تحويلها إلى شيعية وربطها بسلسلة من الحسينيات على مستوى البلاد كلها، خصوصا مع وجود الأموال الكافية.
أورد البروفيسور خالد سنداوي في بحثه الخاص بـ "التشيع في سورية"، أن أئمة التشييع الذين كانوا يفشلون في شراء هذا المسجد أو ذاك، كانوا ينجحون في شراء الأراضي القريبة من هذه المساجد، ويحولونها إلى حسينيات. وهذه الأخرى ليست سرية أو غير معلنة. إنها معروفة للجميع وخاصة لمن يرغب في أن يكون جزءا من هذا الحراك التخريبي. دون أن ننسى، أن الترغيب المالي كان حاضرا تماما، وخصوصا في المناطق السورية الفقيرة. في السنوات الماضية كان التركيز يتمحور بالحصول على أكبر عدد من العقارات والأراضي الفضاء، أينما تم العثور عليها في سورية. وشهدت البلاد نشاطا كبيرا في السنوات التي أعقبت الثورة الشعبية السورية على الأسد لمصلحة أئمة إيران العراقيين في سورية، ومنهم أسماء تظهر يوميا على وسائل إعلام الأسد.
ومع التدخل الإيراني الشيعي في سورية إلى جانب سفاحها الأسد، وتحولها إلى بلد محتل إلى جانب نظام محتل، صارت مسألة شراء العقارات أكثر سهولة. فالمسألة لم تعد مقتصرة على ترغيب مالي، بل ترهيب يمتلك أئمة التشيع أدوات تنفيذه على الأرض. وهذه لا تدخل في مجال الأسرار أو المعلومات التي لا يرغب نظام الملالي في نشرها على نطاق واسع. فالإعلام الإيراني بات منذ بدء الثورة السورية يدعو الإيرانيين إلى استغلال فرصة تمتعهم بامتيازات كبيرة في كل أنحاء سورية، سواء من جانب نظام الأسد، أو الحرس الثوري الإيراني الذي يسيطر على زمام الأمور في البلاد. بل دعت وسائل إعلام طهران إلى ضرورة التركيز على عقارات وأراض في دمشق وما حولها، نظرا لأهميتها الاستراتيجية أولا، ولأنها قريبة من "مزارات" شيعية، لم يثبت حتى الآن أنها كذلك.
وضمت عمليات التشجيع تراجع أسعار العقارات بالفعل في دمشق، بسبب الحرب الدائرة هناك. لكن مجرد ما بدأت عجلة الشراء الإيراني الخبيث للعقارات في الدوران، عادت الأسعار للارتفاع قليلا، خصوصا في المناطق القريبة مما يسمى مقام "زينب". والمريب أيضا أن المشترين الإيرانيين المدفوعين من قبل نظامهم، استهدفوا في الأشهر القليلة الماضية شراء الفنادق والمباني التي توفر الخدمات الفندقية، إضافة طبعا إلى شراء العقارات في المناطق الراقية من العاصمة. ما يدعم حقيقة الخطة الاستراتيجية لإيران في امتلاك ما أمكن من العقارات وتنويعها في ظل أجواء مواتية لتحقيق أهداف في النطاق الديموغرافي. لقد فعلوا الأمر نفسه في العراق، على مدى عقدين من الزمن تقريبا، وعلى مدى أوسع في لبنان بتسهيلات لا حدود لها من قبل حزب الله الإيراني المزروع في هذا البلد.
وتؤكد جهات إيرانية معارضة، أن غالبية الإيرانيين الذي اشتروا عقارات في دمشق على وجه الخصوص هم من المنتسبين للحرس الثوري الإيراني، الذي يتحكم في السياسة الاقتصادية لإيران كلها، ويمتلك في الواقع ثلث إجمالي الاقتصاد الإيراني. لم تستثمر إيران منذ أكثر من ثلاثة عقود إلا في الشر. والحملة المتصاعدة لشراء ما أمكن من العقارات السورية لا تدخل في إطار الاستثمارات العادية المعروفة. إنها ليست سوى محاولة أخرى للقضاء (ما أمكن) على الهوية العربية لمدينة ضاربة في عمق التاريخ كدمشق، ومعها ما تيسر من مدن أخرى. والهدف الأول والأخير لا يحتاج إلى كثير من التفكير. إنه حراك من أجل تغيير ديموغرافي دنيء وخطير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي