«عطارد» .. الرواية التي لن ينصحك أحد بقراءتها

«عطارد» .. الرواية التي لن ينصحك أحد بقراءتها
«عطارد» .. الرواية التي لن ينصحك أحد بقراءتها

“يظن الناس أن الجحيم مكان، لكنهم مخطئون، نحن في زمان طويل متصل، مضى منه الكثير ولم يتبق إلا القليل جداً، القليل إلى درجة أنني سأراه وستراه ينتهي. وبعد ذلك سيبدأ جحيم آخر ليعذب الناس فيه”، ذلك ما يحدث لكل ما يغرق في طوفان رواية المبدع المصري محمد ربيع “عطارد”، عن دار التنوير، التي طبعت منها طبعتان في ذات العام 2015، ومن ثم ترشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2016.

الرواية عدمية تسبح في فلك القنوط لتصوّر عالماً على وشك الفناء من خلال أجواء غرائبية تظهر تمكن الكاتب من التوصيف الجاذب للانتباه بامتلاكه خيالاً خصباً لا يمكن لشيء أن يكبحه ويوقف حالة الغضب واستنكار للوضع الراهن، بتجسيد صور كارثية لا يمكن نسيان تفاصيلها، وتصوير بديع يضخم من حالة الانهيار التام للناس والمباني والعالم أجمع. يأتي ذلك نتيجة قيام فرسان مالطا باحتلال مصر في عام 2011 لينتشر الفساد وحالة قلق مستفحل وتقبّل جرائم السرقة والاختطاف بصدر رحب، حتى الوصول إلى مرحلة لم يعد فيها ما يمكن سرقته أو من يصبح اختطافه مربحاً، وذلك نتيجة اندحار دور الشرطة في ظل وجود الاحتلال وانعدام الأمان وتفشي القتل والمرض والانهيار إلى الحد الذي تتبلد فيه الأحاسيس ويختفي الحب ويندثر الأمل.

مقدمة صادمة

اختار الروائي محمد ربيع استهلال الرواية بمشهد صادم مستقل عن بقية أجزاء الرواية، ويستحق أن يكون رواية مستقلة، بحضور قوي وقدرة على جذب القارئ ورغبته في معرفة حيثيات حادثة قتل الرجل لأسرته، وإن لم تظهر أسباب مقنعة ووصف للمحيط الذي ارتبطت به تلك الأحداث، ووصف دموي لعملية تقطيع أجزائهم وتناوله لهم ببطء أمام التلفاز بأريحية غريبة وكأنه طقس يومي. وكأن في تلك المقدمة رغبة شريرة من قبل الروائي أن يقدم مشهداً دموياً صادماً يتغلغل في أعماقك.

أزمنة مختلفة

تمتد أحداث الرواية ما بين عام 2011 حتى عام 2025م، وذلك في أجواء تخيلية تحيل كل التفاصيل إلى كابوس ليلي يجثم على الأنفاس دون إمكانية للاستفاقة منه. ومن ثم تتقافز الأحداث إلى رؤية مستقبلية كارثية لعام 2025. وإن كان هناك مشهد عارضي يعود بالزمن إلى عام 455 هـ دون تبرير لاختيار تلك الحقبة ومدى ارتباطها ببقية الرواية، واختيار شخصية صخر الخزرجي كمنقذ لحالة الانهيار التام للعالم. يظهر تعمد الكاتب أن يجعل هذا الحدث في منتصف الكتاب دون وجود أي ارتباط مع الأحداث الأخرى، وإن كان بإمكانه اختيار هذا المشهد في نهاية الرواية.

في فلك الجحيم

“ولم يدرك الجميع أن ما حدث، وما سيحدث لاحقاً، حتمي، وأن جحيمهم معتاد، بل هو جحيم مكرّر يشبه غيره”، الرواية عبارة عن امتداد كابوسي لصور متتالية لمشاهد دامية كارثية تجسد العالم الفاني وقد انتابته حالة هلع جماعي وتفسخ أخلاقي، وذلك عبر تصوّر تشاؤمي للمستقبل المرتبط بالوضع الراهن العدمي قلق دائم، الأمر الذي يؤدي إلى حالة انهيار للمكان ليصبح عبارة عن أكوام من الجثث والنفايات، ويحاط بأشخاص مصابين بجنون الارتياب والاشتباه الدائم في الآخرين حتى تثبت براءتهم، وأحداث تتسبب في إرغام الجميع على ارتداء الأقنعة “كل المارّة مقنعون، بلا استثناء”، وكأنه أمر اعتيادي يعزز من قدرة الناس على ارتكاب أي عمل ينافي الأخلاقيات السابقة دون تورّط في تهم.

مع تكرار لمشهد الكلاب المشرّدة التي تعوي، والحيوانات المشوّهة التائهة في أمر أشبه بالتحام مع الجو العام من الفناء إلى الحد الذي يظهر فيه بشر يستحيل صوتهم إلى عواء، فيما يكتسح المكان بطولة الرواية إذ يتم تجسيد أجوائه كديستوبيا ليعد العمل الروائي جزءاً من أدب المدينة الفاسدة أو المكان الخبيث المجرّد من القيم أو حتى الإحساس برغبة في الحياة، هناك حالة مستفحلة من الرغبة في الفناء للخلوص من الآلام التي يتسبب فيها المكان، بما هو أشبه بجحيم دانتي، ووصف تفاصيل عذابات شخوص يدورون في فلك القتل والسادية والفناء.

المغزى من العنوان

يرتبط اسم الشخصية المحورية بالعنوان من خلال اختيار شخصية العقيد أحمد عطارد، صاحب النظرة التشاؤمية المفرطة الذي يتيه في أرجاء عالم لا متناه من الفناء واليأس والتصحّر العاطفي، الأمر الذي يدفعه بصفة مستمرة إلى التحاور مع القدّيس الذي يعطيه نصائح دموية تعطيه الحق في تحديد مصير الآخرين أو اتخاذ قرار إنهاء حيواتهم للتخلص من الآلام الدنيوية، ليبرر دون تردد: “لكنّي وفّرت عليه المشقة وأطلقت النار على رأسه”، وهو ذات الاسم الذي تم اختيار عنوان الرواية له، كون كوكب عطارد الأقرب إلى الشمس ما يحيله إلى عالم يحترق من فرط حرارته، وذلك هو الأقرب لما حاول الروائي في أرجاء الرواية تجسيده من خلال وصف لجحيم أزلي يتساءل من يعيشه عن بدايته ونهايته “وربما كانت الدنيا مختلفة تماماً عما نعيشه اليوم، هل عشنا على كوكب آخر وفي عوالم أخرى؟ هل كنّا بشراً أم أن أجسامنا هي الأخرى عذاب لا ندركه”، الأمر الذي يدفع بهم إلى نسيان طبيعة النفس البشرية الأولية، فحتى لون اللحم البشري يتغير ليستحيل إلى لون أزرق، و”ستبقى الأرواح سقيمة إلى الأبد”.

مشاهد صادمة

تعمّد الروائي محمد ربيع اختيار أسلوب كتابة تقريرية أشبه بالوجودية المجرّدة من أي تعبير عن أحاسيس أو ردود فعل لحالة الرعب المتفشية في الكون، مع اختيار لغة سلسة مبنية على تكثيف في تصوير المشاهد الصادمة بخيال خصب دون توقف، الأمر الذي يدفع بالروائي محمد ربيع إلى عدم التورّع عن تخصيص عدة صفحات يكتب فيها بأسلوب أشبه بالهذيان قائمة لأسماء الأشخاص الذين قامت شخصية أحمد عطارد بقتلهم والطرق المتنوعة لذلك، يظهر ابتداع الكوارث عبر اختيار بداية كل فصل ليحمل وصفاً مقتضباً كئيباً لحدث مأساوي.

جحيم عطارد

“يريد أن يرى جمالاً قبل أن يرى القبح، ويريد أن يرى أحياء قبل أن يرى أمواتا”، تظل المرأة احتمالا لانبعاث الأمل أو توهّم به، كمحاولة عدد من الشخصيات البحث عن الوجود الأنثوي، كما حدث مع شخصية إنسال بإيواء الطفلة الضائعة زهرة والاهتمام بها، ما يستحيل إلى هوس وإن تسبب ذلك في حالة انهيار لحياته الزوجية نتيجة إهماله وتركيزه على الطفلة وعلى عملية البحث الدائم عن والدها.

#2#

تتعمق المرأة في الوجود الإنساني في مشاهد عديدة تدفعها إلى أن تستحيل إلى ضحية للمكان الحاقد على ما حوله، إضافة إلى كونها ضحية أشخاص غاضبين يحيطهم اليأس والترمّد، لتظهر ابتداء من طفولتها وكأنها امتداد للوجع الجماعي والتعرض للتعذيب، يصبح الملاذ الوحيد للحياة هو التوهّم، “أودّ أن أخلق وهماً أعيش فيه”، أو ما هو عبارة عن حالة مستمرة من الإحباط، فحتى التعلق بأمل الحياة الرغدة قد يكون توهماً، “كان وهم الحياة الدنيا في أوجه، انطلتِ الخدعة على الجميع”، خدعة يرغب الجميع في الشعور بها. “نعم، لا شيء حولي، لا نور، لا موجودات، لا رائحة ولا إحساس، بل لا أفكار، هذا هو العدم، ولا كلمة ثانية لوصفه.

ألست في العدم الآن”؟ ليصبح الملاذ الأوحد في مثل هذه الأجواء الجحيمية محاولة نسيان ذلك بطرق مبتدعة كاستنشاق لما يسمى “الكربون” المصنوع من حشرات مقززة، والقادر على أن يقل الشخص إلى عوالم أخرى بعيدة عن الآلام الراهنة.

رواية “عطارد” تعذّبك حتى النهاية، وإن كنت لا تشعر برغبة في التوقف عن القراءة، الأمر الذي يدفعك لتشكك في وجود نزعة من السادية داخلك، ترغمك في استكمال الأحداث الدموية التي تتوغل في إيلام الأرواح والأجساد الهائمة في الرواية دون هوادة، فلا خلاص إلا من خلال الموت. تتفشى حالات غريبة يستعصي فهمها، كمرض فقدان بعض الوجوه الملامح والحواس، ليصبح الوجه أملس دون معالم. في نهاية المطاف لا يبقى إلا تساؤل مخيف “كيف صرنا في الجحيم ونحن لا نعلم”.

الأكثر قراءة