تفاقم أوضاع الماليات العامة .. يحتاج إلى تحرك فوري
مرت الماليات العامة بعام عصيب، ونشهد الآن ظهور واقع جديد يتطلب من البلدان أن تقوم بتحرك فوري يعطي دفعة للنمو ويبني صلابة الاقتصاد. ويجب عليها أيضا أن تكون مستعدة للعمل التعاوني حتى تتمكن من درء المخاطر العالمية.
يوضح عدد أبريل 2016 من تقرير الراصد المالي أن الدين العام يواصل الارتفاع في كل أنحاء العالم. وقد ارتفع عجز المالية العامة في كثير من البلدان. وفي الاقتصادات المتقدمة، سيكون عليها الانتظار من جديد لمدة عام آخر حتى تنخفض نسب الدين. ويتجاوز متوسط الدين العام حاليا المستوى المشاهد أثناء "الكساد الكبير" ويقترب من المستوى الذي أعقب الحرب العالمية الثانية
وفي الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل، من المتوقع أن يكون عجز المالية العامة في 2016 أعلى مما كان عليه في 2009 أثناء الأزمة المالية العالمية. ويمثل هذا تحولا كبيرا مقارنة بتوقعاتنا منذ نحو عام؛ فقد حدثت قفزة كبيرة في نسب الدين العام المستقبلية. "وأصيبت مراكز المالية العامة في البلدان المصدرة للسلع الأولية بضرر جسيم بسبب انهيار الإيرادات. وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يتوقع حدوث انخفاض كبير قدره تريليونا دولار أمريكي في أرصدة المالية العامة التراكمية لدى البلدان المصدرة للنفط وحدها في السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بفترة ما قبل الأزمة في 2004 ـــ 2008".
وهناك اتجاهات جوهرية وبعيدة الأثر في الاقتصاد العالمي تترك بصماتها على الماليات العامة في كل مكان. وتشمل هذه التحولات استمرار ضعف النشاط العالمي وتجذر ضغوط التضخم المنخفض في الاقتصادات المتقدمة، وهبوط أسعار السلع الأولية (نحو 35 في المائة في الـ 12 شهرا الأخيرة و65 في المائة منذ منتصف 2014 بالنسبة للنفط)، وتباطؤ النشاط التجاري. كذلك تواجه الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ارتفاعا في أسعار الفائدة وتقلصا في التدفقات الرأسمالية الداخلة. وهناك تصاعد في المخاطر تشهده كل بلدان العالم على وجه التقريب. ويبدو أن هذه التغيرات باقية، على الأقل لبعض الوقت.
وينبغي أن تتكيف البلدان مع هذه المعطيات التي يفرضها الواقع الجديد ولكن "لا يوجد حل يناسب الجميع". فالتحرك الملائم على صعيد السياسات يختلف باختلاف البلدان، ولكن مزيج التدابير الدقيق يعتمد على طبيعة التحدي الذي يواجه المالية العامة. ونحدد في التقرير ثلاثة تحديات رئيسة.
تواجه الاقتصادات المتقدمة تهديدا ثلاثيا يتمثل في النمو المنخفض والتضخم المنخفض والدين العام المرتفع. ويمكن أن يؤدي هذا المزيج من العوامل إلى دوامات تنازلية يدعم بعضها الآخر. وأعني بذلك أن استمرار تخفيض توقعات النمو والتضخم يرتبط برفع توقعات الدين العام والخاص كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، ما قد يؤدي بالحكومات والشركات والأسر إلى تقليص الإنفاق لخفض الدين، ومن ثم يزداد هبوط النشاط الاقتصادي والتضخم.
ولتجنب السقوط في مثل هذا الفخ، ينبغي أن تتبع البلدان منهجا من ثلاثة محاور يقوم على السياسة النقدية التوسعية، وسياسة المالية العامة الداعمة للنمو، والإصلاحات الهيكلية المعززة للإنتاجية. ونعني بسياسة المالية العامة الداعمة للنمو تلك التدابير التي تعطي دفعة للنمو على المديين القصير والمتوسط (مثل زيادة الاستثمارات في مجال البنية التحتية) وإجراءات السياسة التي تدعم تنفيذ الإصلاحات الهيكلية. ومن أمثلة ذلك استخدام الأموال العامة في تعويض الخاسرين من الإصلاحات (كالإصلاحات المشجعة لمزيد من المنافسة) التي يمكن أن يقفوا في سبيل اعتمادها.
وفي البلدان التي تمتلك حيزا ماليا، يمكن أن تكون للميزانية مساهمة أكبر في دعم الطلب الكلي. وكثير من البلدان يفتقر إلى هذا الحيز المالي، وبالطبع فإن مقدار ما تستطيع البلدان القيام به لدعم الطلب يعتمد على ظروف كل بلد ـــ وخاصة على مستوى مديونيته وما يتحمله من تكاليف الاقتراض حاليا وفي المستقبل. وفي بعض الحالات، لن تتمكن البلدان من إبطاء وتيرة التصحيح المالي. ولكن حتى في تلك الظروف ينبغي للحكومات حماية النمو بتجنب تخفيض الإنفاق العام عالي الإنتاجية وخفض البرامج الأقل كفاءة بدلا منه.
بين عامي 2014 و2016، مر نحو ثلثي بلدان العالم بهبوط في نسبة الإيرادات إلى إجمالي الناتج المحلي. وشهدت البلدان المصدرة للسلع الأولية أكبر نقص في الإيرادات ـــ بمتوسط 7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في حالة البلدان المصدرة للنفط. ولما كان يرجح أن تظل أسعار السلع الأولية منخفضة لبعض الوقت، فليس هناك خيار أمام البلدان المنتجة إلا تخفيض الإنفاق العام اتساقا مع انخفاض الإيرادات.
ففي بيئة محفوفة بالمخاطر، يصبح من أهم أهداف سياسة المالية العامة جعل الماليات العامة أقل حساسية للصدمات، مثل هبوط أسعار السلع الأولية أو انخفاض سعر العملة. ولكن كيف للحكومات أن تخفض مواطن الضعف؟ يمكنها ذلك بالعمل على ثلاث جبهات أساسية. أولا، يمكن للبلدان أن تحسن كيفية إفصاحها عن المخاطر وكيفية تحليلها. فمن خلال إعداد تقارير شاملة وموثوقة وحديثة للاطلاع العام بشأن الموارد العامة، يمكن تقليل احتمالات المفاجآت السلبية وتقليص حجمها. ومثل هذه الأحداث ليست نادرة الحدوث.
رفع النمو متوسط الأجل ضرورة في كل البلدان. ففي الاقتصادات المتقدمة، لا يمكن إيجاد حل دائم لمشكلة الدين المرتفع ما لم يرتفع النمو. والواقع أن تحقيق زيادة مستمرة في النمو بمقدار نقطة مئوية واحدة يمكن أن يخفض نسب الدين في الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات ما قبل الأزمة في غضون عقد واحد. والنمو القوي مطلوب في البلدان الصاعدة والنامية أيضا حتى يتسنى رفع مستويات المعيشة وتمويل استراتيجيات التنمية. فكيف نصل إلى زيادة النمو؟ تشير دراسة أعدها الصندوق إلى أن إجراء إصلاحات في سياسات الضرائب والإنفاق يمكن أن يرفع النمو في المدى المتوسط إلى الطويل بنسبة 0.75 نقطة مئوية في الاقتصادات المتقدمة، وأكثر من ذلك في الاقتصادات النامية.
وخلاصة القول إن البلدان تواجه تحديات كبيرة في استعادة النمو القوي والمالية العامة السليمة القادرة على الصمود في مواجهة الصدمات. ولكن الخبر السار هو أن صناع السياسات، منفردين ومجتمعين، لا يزال لديهم أدوات ملائمة من خلال السياسات لمعالجة هذه التحديات والتكيف مع معطيات الواقع الجديد.
* خبيران في صندوق النقد