العلاقات الثابتة .. وأهمية المرحلة

أيا كانت التفسيرات للعلاقات الخليجية ــ الأمريكية، فقد شهدت تأرجحا في فترة رئاسة باراك أوباما، والسبب معروف للجميع وهو استخدام أسلوب خاطئ لفهمها، كون هذه العلاقات محورية تاريخية لدرجة بعيدة، وأن فهمها يحتاج إلى رؤية ثاقبة وآراء وقرارات حكيمة، ولذلك لاقى الاتجاه الخاطئ الأخير للبيت الأبيض معارضة لانحراف ماهيتها قليلا نوعا ما من جذورها الثابتة الراسخة، حتى أن المعارضة كانت من مسؤولين مقربين في إدارة الرئيس أوباما. حيث اتبع أوباما سياسة في منطقة الشرق الأوسط وفق رؤيته، وضعت مصالح بلاده على المحك، ودفعت قيادات سياسية مختلفة على الساحة الأمريكية إلى إعلان معارضتها لهذه الرؤية في إطار حرصها على العلاقات التاريخية مع دول هذه المنطقة، وفي مقدمتها بلدان الخليج العربية. هيلاري كلينتون وزيرة خارجيته السابقة، توجه الانتقادات للسياسة الخارجية الأمريكية في أعقاب خروجها من منصبها، وهو أمر طبيعي أن تحدث خلافات داخل الحكومات والإدارات. هذا المفهوم الملتبس للعلاقات المذكورة، أحدث إرباكا، في وقت تعم فيه الصراعات والاضطرابات.
بالطبع تعاطت بلدان الخليج العربية مع هذه الرؤية، وفق الأطر العامة للعلاقات، وكانت اللقاءات والاجتماعات مع الجانب الأمريكي، تسهم في الحفاظ على الثوابت والعلاقات الجيدة مع واشنطن. يعرف حكماء السياسة الأمريكية، أن انعكاسات العلاقات الخليجية ــ الأمريكية، تظهر على الساحة الإقليمية (بل العالمية) على الفور. ولهذا السبب أخذوا يتحركون لعلاج اللبس، أو الاختلافات في الرؤى. فالمسألة لم تعد تتعلق بمستقبل علاقات تاريخية، بل بمصالح الولايات المتحدة نفسها، في حين وجد البعض في واشنطن، أن سياسة أوباما لم تنشر أجواء مطمئنة سواء بالاتفاق النووي مع إيران الذي يبقى محل شك عند الأمريكيين كما عند العرب، أو فيما يرتبط بالحالة السورية المتفاقمة. فالاتفاق الناجح، هو ذاك الذي تكتمل عناصره وتتناغم أطرافه. والاتفاق مع إيران، يبقى محل اضطراب وشكوك، والسبب واضح، أن الطرف الإيراني حاول تحقيق نقاط لمصلحته، مستغلا ما هو متوافر من عروض على الساحة.
الرئيس الأمريكي حضر للمشاركة في قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض، وهي إشارة مهمة لمدى عمق العلاقات بين الطرفين الخليجي والأمريكي، كما أن المشاركة في القمة المذكورة، تدعم الحراك الدبلوماسي ــ السياسي بين البلدين، وتعمق الحوار العالي المستوى. الخلافات في الرؤى تحدث بين كل بلدان العالم، ولكن الأهم أن هناك حوارا دائما لا ينقطع بينها. وهذا في الواقع ما كان سائدا طوال السنوات الماضية، وسيكون حاضرا في المستقبل. وإذا ما أضفنا الروابط بين طرفين محوريين، الاقتصادية وغيرها، فإننا أمام علاقات مستمرة بوتيرة مستدامة، بصرف النظر عن تباين السياسات في هذه المرحلة أو تلك. ومما لا شك فيه أن الرئيس الأمريكي يولي اهتماما وفهما لطبيعة العلاقات بين بلدان الخليج العربية وبلاده. فهذه البلدان تمثل شريكا مهما ونزيها وواضحا للولايات المتحدة، لماذا؟ لأنها تتعاطى بالشأن الدولي وفق المفهوم الدولي، الذي يضمن مصالحها، ويحترم في الوقت نفسه المعايير العالمية في كل شيء. وهي تحترم أيضا مصالح الشريك، الأمر الذي ينتج تلقائيا علاقات طبيعية مزدهرة، تعود بالنفع على أطرافها.
هناك حقائق باقية بغض النظر عن أي مفاهيم إيجابية أو سلبية، أو أي تباين بين الجهات المعنية. وزيارة باراك أوباما للرياض ومشاركته في القمة الخليجية تعززان هذه الحقائق، فالمصالح المتبادلة مستمرة على مختلف الأصعدة. والتعاون بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون، سينعكس بصورة إيجابية (كما كان في كل المراحل) على ما يجري في المنطقة، وجوانب أساسية مما يجري على الساحة الدولية. إنها أسس لا تتغير، وكل القائمين عليها يعرفون هذه الحقيقة، ويعملون من أجل تكريسها. وعلى هذا الأساس، تخضع العلاقات المشار إليها إلى التطوير، بما يوفر الدعم لمصالح طرفيها، ويسهم في مواجهة الأزمات المتفاعلة على الساحة بما يخدم الجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي