رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الدعم الذكي في مصروفات الحكومة

المصروفات الحكومية قضية اقتصادية ضخمة، وهي تحمل في طياتها كثيرا من القضايا الضخمة جدا في عالم الاقتصاد؛ فمجلس الوزراء يعتمد المصروفات من أجل هدف أساسي، وهو قيام الجهات الحكومية بخدماتها الأساسية نحو المجتمع وفقا لأفضل أداء، لكن هذه المسألة تتطلب من الحكومة أن تتعاقد مع القطاع الخاص من أجل تنفيذ هذه المشاريع، وبالتالي فإنها تعمل على تنمية ثروة القطاع الخاص شئنا أم أبينا. والسؤال المهم في هذه المسألة هو: من أين تأتي الحكومات بالأموال لتصرف منها على المشاريع؟ إنها الرسوم الحكومية بشكل أساسي في كثير من دول العالم، والنفط في المملكة على وجه الخصوص، فالدولة تعمل على تحصيل إيرادات النفط والإيرادات الأخرى ثم تقوم بتنفيذ مشاريع التنمية ودفع الرواتب وغيرها؛ ما يجعل هذه الأموال في نهاية المسار تنتهي في حسابات رجال الأعمال، بينما يبقى كثير من أفراد المجتمع فقراء أو محدودي دخل ويستمرون في دفع الرسوم للدولة. من جانب آخر؛ فالدولة وهي تنفذ مشاريعها المختلفة تعمل (أو هكذا يجب أن تعمل) وفقا لمبدأ قياس تكلفة الفرصة البديلة، بمعنى أنه يتم اختيار المشاريع بناء على أيها يمثل أفضل عائد للمجتمع مقارنة بالمشاريع الأخرى. المقارنة مثلا بين جسرين في منطقتين تعتمد على حجم وعدد المستفيدين من كل جسر، وهكذا تتم المقارنات بين المشاريع وأوجه الصرف الحكومية. لكن مع كل هذا يبقى أعقد أنواع الصرف الحكومي هو الصرف على الدعم سواء دعم السلع أو الخدمات.
الفكرة الأساسية لمفهوم الدعم تتركز في تخفيض التكلفة على المستهلك النهائي، لكن هذا المستهلك النهائي للسلع بأنواعها هو خليط واسع من المواطنين بمختلف شرائحهم، وإمكاناتهم؛ فمنهم فقراء ومحدودو دخل ومنهم أثرياء ورجال أعمال تنتهي إليهم ثروات المجتمع. نتحدث عن الدعم الحكومي للسلع والخدمات عندما ترتفع الأسعار في بعض أو كل السلع الأساسية بشكل لافت وتختفي السلع البديلة أو ترتفع بالقيمة نفسها، فلا يبقى أمام المواطن سوى شراء السلعة مهما كان ثمنها.. هذا الارتفاع يتسبب في توجيه صرف جزء كبير من دخل المواطن على هذه السلعة الأساسية. لا مشكلة مع القلة من الأثرياء لكن مع الأكثرية من البسطاء، فإن هذا سيتسبب في خفض إنفاقهم على مجالات أخرى متعددة. وتخفيض الإنفاق يتسبب في ركود هذه القطاعات التي أحجم عنها الناس لعدم توافر سيولة في مقابلها. ولكي تحافظ الدولة على توازن الاقتصاد تقرر صرف الدعم لهذه السلع الأساسية لتخفيض سعرها، وبالتالي تمكن المواطن من توفير نقدية لشراء السلع الأخرى. لكن السبب الرئيس في ارتفاع أسعار السلع هو دائما ارتفاع مستويات الطلب عليها، وبالدراسات تبين أن ارتفاع الطلب على عديد من السلع يأتي في المقام الأول من أصحاب الثروات الذين لديهم فوائض نقدية وهم في الغالب من رجال الأعمال الذين تنتهي إليهم مصروفات الحكومة. وبهذا فإن الدعم يحقق لهم فرصة جديدة لتعظيم ثرواتهم سواء من المصروفات الحكومية على المشاريع وأيضا من خلال تخفيض مصروفاتهم على الخدمات، وبهذا تتم مكافأتهم على تبذيرهم المتسبب أساسا في ارتفاع الأسعار المستمر على المواطن البسيط الذي يدفع الجزء الأكبر من الرسوم، وبهذا لا يستفيد المواطن البسيط محدود الدخل ولا المجتمع ككل من الدعم الحكومي سوى تكدس الثروات في أيدي مجموعات صغيرة منه. هذا هو جزء بسيط من نظرية تحدث عنها ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، في مقابلة أجرتها معه وكالة "بلومبيرج" الاقتصادية، الخميس الماضي، وهو يتحدث عن الدعم والفرصة البديلة وحماية ثروات الأمة والتوزيع العادل لها، وهو يقول إن الحكومة السعودية لا تريد تغيير حياة المواطن السعودي العادي، نحن نريد أن نمارس الضغط على الأثرياء الذين يستخدمون الموارد بشكل مكثف بوضع آلية لتوفير النقد لذوي الدخل المحدود والمتوسط من السعوديين الذين يعتمدون على الدعم. فهل هناك عبارات أوضح وأقوى وأصدق تعبيرا من هذه العبارات التي صرح بها الأمير محمد بن سلمان لشرح فكرة الدعم الحكومي ومشكلته؟ ثم يوضح الفكرة بجلاء عندما يتحدث عن الفرصة البديلة التي يتم وضع قرارها بيد المواطن محدود الدخل مباشرة بدلا من الحكومة بقوله "إنه لو تم دعم المواطن مباشرة بـ 1000 ريال مثلا وتم أيضا تحرير أسعار الكهرباء، سيكون لديك خياران إما أن تنفق 1000 ريال على فواتير الكهرباء كما اعتدت، أو يمكنك خفض استهلاك الكهرباء واستخدام المال في شيء آخر".
من الواضح بلا جدل أن الحكومة جادة في أمرين معا، أولا الدولة ستستمر في دعم أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، كما هي أيضا جادة جدا في تحقيق العدالة في توزيع الثروات بين أفراد المجتمع، وأن يتم تحرير الاقتصاد تماما؛ بحيث تجد كل سلعة فرصتها التنافسية في السوق، وهو الأمر الذي سيعمل على تصحيح الأسعار على المدى البعيد، ومن ثم الاستغناء عن الدعم وتوجيهه إلى مشاريع أكثر نفعية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي