بخلاف ما يراه أوباما .. الشرق الأوسط مفتاح العالم

بخلاف ما يراه أوباما .. الشرق الأوسط مفتاح العالم

"في 12 آذار (مارس)، خاطب إلين لايبسون، مايكل دوران، ومايكل ماندلباوم منتدى سياسيا في معهد واشنطن للدراسات، وتم عقد هذا المنتدى في أعقاب نشر قصة الغلاف المثيرة للجدل في مجلة "أتلنتيك" بعنوان "عقيدة أوباما"، ولايبسون هي رئيسة فخرية في "مركز ستيمسون"، ودوران من أقدم منسوبي "معهد هدسون"، وماندلباوم هو بروفيسور "كريستيان أ. هيرتر للسياسة الخارجية الأمريكية" في "كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة". وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهم.

إيلين لايبسون
على الرغم من الاتهامات القائلة إن الولايات المتحدة تنسحب من الشرق الأوسط أو تتحول نحو آسيا، إلا أن خطابه الذي ألقاه في القاهرة عام 2009 أظهر طموحاً كبيراً لتحويل العلاقات بين الولايات المتحدة والعرب. ففي حين اعتبر البعض أن رد فعله على "الربيع العربي" يظهر انعدام الخبرة، رأى هو فيه فرصة لتغيير العقد الاجتماعي بين حكومات الشرق الأوسط ومجتمعاتها. إلا أنه في الآونة الأخيرة أشار إلى الدول العربية كـ "منتفعة مجاناً"، وهي وجهة نظر رجعية لأن القادة العرب، خصوصاً السعوديين وشركاء آخرين في الخليج أطلقوا مزيدا من المبادرات وتولوا مسؤوليات إضافية في السنوات القليلة الماضية.
في الوقت نفسه، يعتقد أوباما أن بعض مشكلات المنطقة ليست قابلة للحلول الأمريكية، فبعض القضايا الوجودية لا يمكن معالجتها إلا من قبل الشرق أوسطيين أنفسهم. ولا ينبغي أن يساء تفسير الأمر على أنه لا مبالاة أو عدم التزام، لكن إدارته تريد أن تتحمل المنطقة مزيدا من المسؤولية في مشكلاتها. ويقيناً أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بشراكات أمنية في المنطقة، لكن هذه العلاقات معقدة، فهي ليست عبارة عن اتفاقيات دفاع متبادلة وملزمة - مماثلة لتحالفات "منظمة حلف شمال الأطلسي" ("الناتو") أو التحالفات الأمريكية في آسيا.
وفي سورية، إن المداولات السابقة حول ما إذا كان اللجوء إلى القوة رداً على استخدام نظام الرئيس السوري بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، قد تم تحديدها من خلال رفض الرئيس الأمريكي إطلاق حملة عسكرية أخرى في بلد مسلم في ظل عدم وجود خريطة طريق للمرحلة التي تلي التدخل. أما اليوم، فيُنظر إلى هذا المنطق من منظور مختلف، فقرار الامتناع عن التدخل بقوة أكبر في عام 2013 يبدو الآن مكلفاً.
وعلى نطاق أوسع، تتخطى مسؤوليات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط المصالح المعلنة لأي دولة في المنطقة. فإذا كان الاستقرار الكلي هو الهدف الأساسي، يجب على واشنطن أن تسعى إلى تحسين العلاقات بين الدول العربية وإيران على المدى الطويل، على الرغم من أن إيلاء كثير من التركيز على هذه الجهود في الوقت الراهن قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وأخيراً، كانت أهمية السياسات في المنطقة آخذة في التراجع ببضع درجات بسبب استقلال الولايات المتحدة المتزايد في مجال الطاقة. وفي المستقبل، ربما تقبل واشنطن مخاطر أكبر في الشرق الأوسط، وسيكون تدخلها في المنطقة أقل ترجيحاً.

مايكل ماندلباوم
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يُعتبر الشرق الأوسط حالياً أقل أهمية نسبياً مما كان عليه بين عامي 1989 و2014. فخلال تلك الفترة ما بعد "الحرب الباردة"، كانت أوروبا وشرق آسيا تشهدان فترة سلام إلى حد كبير، الأمر الذي سمح لواشنطن بتخصيص مزيد من الموارد والاهتمام للشرق الأوسط. لكن الوضع مغاير حالياً، فالتحديات الاستراتيجية الجديدة تتطلب إيلاء الاهتمام لشرق آسيا وأوروبا وأجزاء أخرى من العالم، ما سيتطلب بلا شك إعادة تخصيص الموارد في المستقبل.
وهناك ثلاثة عوامل رئيسية تثير قلق الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وهي: منع أي بلد منفرد من فرض هيمنته، ومنع الانتشار النووي، والحفاظ على الوصول العالمي إلى النفط في المنطقة. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا الجديدة قد جعلت الولايات المتحدة أقل اعتماداً على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، إلا أن اليابان وأوروبا الغربية لا تزالان تعتمدان عليها، ولذلك فإن الحفاظ على علاقات الولايات المتحدة بهؤلاء الحلفاء المقربين من واشنطن سيتطلب على الأرجح الاستمرار في إعطاء الأولوية لأمن النفط في المنطقة.
وفي حين يشكل تنظيم داعش التهديد الرئيسي بالنسبة إلى الأمريكيين في المنطقة، إلا أن إيران هي الخطر الرئيسي الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة والتزاماتها في الشرق الأوسط. فهي دولة انتقامية تسعى إلى الهيمنة الإقليمية وتبقى مصدر قلق فيما يتعلق بانتشار الأسلحة النووية. ووفقاً لذلك، فإن احتواء إيران يجب أن يكون الهدف الرئيسي لواشنطن في المنطقة.
وحتى لو لم تكن لدى الولايات المتحدة مصلحة في الأساس النظري الكامن وراء الصراعات الطائفية في المنطقة، فالحقيقة هي أن معظم حلفائها هناك هم من الحكومات السنية. وبالتالي، يمكن لعملية الحفاظ على هذه التحالفات أن تكون صعبة لأن بعض الشركاء السنّة غير قادرين على تخصيص قوات للقتال على الأرض أو مترددون في القيام بذلك، ما يعقّد هدف إدارة أوباما القائم على مواجهة تنظيم داعش من دون تدخل بري أمريكي كبير. ومن غير المرجح أن تقوم الدول السنية بشكل خاص بالتزامات مماثلة في الوقت الذي لا تثق فيه بجهود واشنطن للتفاوض مع إيران حول دورها الإقليمي. كما أن قيام روسيا بمواءمة أهدافها مع طهران والائتلاف الشيعي الأوسع يزيد من تعقيد أي تدخل عسكري أمريكي واسع النطاق على الجانب السني. أما المشكلة الأخرى فهي افتقار إدارة أوباما إلى استراتيجية واضحة للمرحلة التي تلي هزيمة "داعش"، الأمر الذي يطرح خطر نشوء جماعة إسلامية متشددة جديدة تحل محل التنظيم. إن مسيرة أوباما السياسية السابقة قد تبلورت برمتها تقريباً في عصر كانت الولايات المتحدة تفتقر فيه إلى الخصوم الاستراتيجيين، وبالتالي لم يتكيف جيداً مع ظهور هؤلاء الخصوم في هذا العصر الجديد.

مايكل دوران
ارتكز جزء كبير من عملية تفكير أوباما الخاصة بالشرق الأوسط على تقييمين: أن المنطقة ليست ذات أهمية استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، وأن أمن إسرائيل لا يشكل مصدر قلق بالغ الأهمية بالنسبة إلى واشنطن. وفي حين سعى الرؤساء السابقون إلى تعزيز وضع الحلفاء في وجه الخصوم، ينظر أوباما إلى الخصوم، وبشكل رئيسي إيران وروسيا، على أنهم من أصحاب المصلحة الإقليمية المشروعين.
لقد كان الاتفاق النووي الإيراني جزءاً من الجهد المبذول للعمل مع هؤلاء الخصوم من أجل تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط وتقليل التزامات الولايات المتحدة في المنطقة. وقد اختار البيت الأبيض عدم إجبار إيران وروسيا على دفع ثمن أنشطتهما في سورية، ويعود ذلك جزئياً بسبب الأولوية التي منحها للمفاوضات النووية. ولكن على الرغم من أن "خطة العمل المشتركة الشاملة" قد تمنع إيران من امتلاك السلاح النووي لمدة عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة، إلا أن هذا ليس سوى تأخير مؤقت في أحسن الأحوال، وسيكون على حساب سباق التسلح النووي في المنطقة. وبشكل مماثل يعكس "الخط الأحمر المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية" الذي أُعلن في عام 2013 اعتراف الإدارة الأمريكية بالمصالح الإيرانية في سورية. إذ لم يرغب أوباما في استخدام القوة لأنه اعتقد أنها ستهدد التقدم الذي يعمل على إحرازه مع الإيرانيين. وبدلاً من ذلك كتب رسالة إلى المرشد الأعلى الإيراني وحجب المساعدات عن الجماعات المعارضة السورية، الأمر الذي ساعد على تغيير ميزان القوى لمصلحة نظام الأسد وطهران.
وتطرح استراتيجية الرئيس الأمريكي إشكالية لأن روسيا وإيران تقوضان بنشاط مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، لن تستقر المنطقة بما يكفي لانسحاب الولايات المتحدة منها، وسيستمر نظام التحالف الأمريكي في التراجع. وفي المقابل، يزداد التحالف الروسي الإيراني قوة - وهو يمثل أكبر تحوّل في المنطقة، بينما لا تخصص واشنطن موارد كافية لاحتواء هذا التهديد.
وتوفر شبكة الميليشيا الإيرانية الآخذة في التوسع، التي تستند إلى نموذج "حزب الله"، وسيلة رخيصة لتقويض خصومها. فالسعوديون والأتراك لا يمتلكون أصولاً كافية لمكافحة هذه الشبكة بشكل فردي، كما أن مصالحهم المختلفة تمنعهم من مواجهة التحالف الإيراني الروسي بشكل مشترك. وبالتالي، فإن وضع الولايات المتحدة هو الأفضل لتنسيق البعثات والتحالفات من أجل معالجة هذا التهديد وترتيب نظام إقليمي مستقر. وتستلزم إعادة التوازن حلفاء أقوياء، وسيتوجب على الرئيس الأمريكي القادم تعزيز العلاقات الأمريكية في المنطقة وعكس الفكرة القائلة إنه لا يمكن لواشنطن استخدام القوة العسكرية بشكل فعّال.

الأكثر قراءة