اقتصاد جديد يحاكي المستقبل بكل معطياته
تصنع "الرؤية المستقبلية للمملكة" اقتصادا جديدا فيها، وتأتي في زمن التحولات والمتغيرات وأحيانا المفاجآت، ليس فقط على الساحة السعودية؛ بل العالمية أيضا. المملكة تسير منذ سنوات وفق منهج يقوم على تجديد الاقتصاد الوطني تدريجيا إلى أن يصل إلى مرحلة الاقتصاد الكلي، الذي بدوره يضم كل القطاعات والعناصر المحلية، كما أنه يستوعب الإمكانات الحقيقية للبلاد على مختلف الأصعدة، ما يحقق الهدف الأهم وهو التنويع، ومعه الاستدامة والنمو الحقيقي. لم تعد آليات الماضي الاقتصادية ملائمة، سواء بسبب المتغيرات الراهنة، أو الاستحقاقات الحاضرة وتلك المقبلة أيضا. يضاف إلى ذلك، أن السعودية لديها ما تقدمه في هذا المجال، بل يمكنها أن تختصر المساحات الزمنية لتحقيق الأهداف. إنها مسألة تخطيط منهجي، واستثمار ما هو موجود حقا على الأرض.
ستغير "الرؤية المستقبلية للمملكة" كل شيء على الصعيد الاقتصادي، وستدفع إلى الأمام عجلة التنويع بأعلى مقاييس الجودة، ولاسيما في ظل قيادة قررت محاكاة المستقبل، بما يضمن ازدهارا مستداما للأجيال المقبلة، وبالطبع، بما يعزز مكانة السعودية على الساحة الاقتصادية العالمية. فهي مشاركة في أخذ زمام المبادرة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، من خلال وجودها ضمن مجموعة العشرين، فضلا عن دورها الإقليمي المتصاعد سياسيا واقتصاديا. يضاف إلى ذلك تلك الاستحقاقات المحلية التي تشكل الهدف الأول للقيادة في المملكة. وقد اتبعت البلاد سياسة أكثر انفتاحا منذ وصول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى سدة الحكم، والأهم أنها سياسة واضحة لا تقبل الحلول الوسط، وصريحة لا تقبل المواربة. فالمشكلات (أيا كانت) لا يمكن أن تحل إلا بمواجهتها مباشرة.
لقد أثبتت المملكة أهميتها الاقتصادية إقليميا وعالميا، حتى قبل أن تعلن عن فحوى "الرؤية المستقبلية". فبمجرد الإعلان عن نيتها خصخصة جزء بسيط من شركة "أرامكو"، أحدثت حراكا هائلا في الأسواق العالمية. فكيف الحال بتحويل الشركة كلها إلى مؤسسة "للطاقة والكتل الصناعية"؟ وماذا سيكون في الأمر كله، عندما تنقل "أرامكو" إلى صندوق الاستثمارات العامة، بحيث يكون مصدرا لإيرادات البلاد، وليس النفط؟ ومما لا شك فيه، سيكون هذا الصندوق محوريا على الساحة العالمية؛ ليس فقط من جهة حجمه الكبير، لكن أيضا من ناحية سمعة المملكة الثابتة والناصعة على الساحة الدولية بشكل عام. هذه السمعة وحدها تمثل مصدرا داعما لأي حراك اقتصادي، سواء كان على شكل نشاط، أو تغيير كامل.
العالم ينتظر بالفعل التغييرات الاقتصادية السعودية، لأن آثارها لن تكون محلية، بحكم وضعية المملكة المشار إليها. وبالتأكيد ستدعم الخطوات الجديدة التاريخية توجهات تنويع مصادر الدخل، الذي يبقى الهدف الأهم في أي حراك على الساحة المحلية. فالمتغيرات لا تترك مجالا حتى للتنفس عندما تكون متلاحقة، غير أن المخططات التي تقوم السعودية بها تتوافق تماما مع زخم ووتيرة هذه المتغيرات. و"الرؤية المستقبلية" لا تختص بشركة "أرامكو" فقط؛ بل تشمل أيضا قطاعات ومؤسسات سعودية كبرى، من خلال تطوير أدائها، وتدعيم الشراكة بينها وبين القطاع الخاص الذي يمثل أيضا محورا اقتصاديا وطنيا بثقل كبير للغاية. دون أن ننسى، حراك الاستثمارات الأجنبية، الذي بدأ يظهر على الساحة بفعل سلسلة من القوانين والتسهيلات المطلوبة.
"الرؤية المستقبلية الاقتصادية للمملكة" التي تبناها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بقيادة رئيسه الأمير محمد بن سلمان، هي في الواقع خريطة اقتصادية وطنية للبلاد كلها، تحاكي العقود المقبلة باستراتيجية متمكنة وواقعية وواعدة. إنها اقتصاد جديد تحتاج إليه السعودية في هذا الوقت بالذات، وتحتاج إليه أيضا الأجيال المقبلة في بلد يشهد تغييرا لا يخص الحاضر بقدر ما يحاكي المستقبل بكل معطياته.