«دبلوماسية التحالفات» .. ريادة سعودية تظفر بإجماع الأمتين

«دبلوماسية التحالفات» .. ريادة سعودية تظفر بإجماع الأمتين

منذ اللحظات الأولى للمؤتمر الصحفي المفاجئ الذي عقده ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان في ساعة متأخرة من ليل منتصف شهر ديسمبر 2015، والعالم يتساءل حول جدوى هذا التحالف، منهم المشكك على الإطلاق لأغراض عدائية واضحة، ومنهم الصديق الذي لم يكن ليقتنع بإطلاق حلفين، عربي عبر "عاصفة الحزم"، وآخر إسلامي، في فترتين متقاربتين زمنيا.

عزلة طهران

لكن الجهود الدبلوماسية المتلاحقة ونتائج القمة الإسلامية الأخيرة في إسطنبول جلت كثيرا من اللبس، فالعزلة التي تحاصر طهران اليوم، وتثير استياء وكلائها في المنطقة، بعيدا عن الحسابات المذهبية الضيقة التي كانت تؤججها وتقتات عليها ثورة ملالي طهران، لم تكن لتتحقق بهذا القدر من الإجماع، لولا العمل وفق منطق أساسه "التحالف" على الصعيدين العربي والإسلامي.
ورغم الصورة المعبرة للزعيمين الملك سلمان والرئيس عبدالفتاح السيسي وهما يشهدان توقيع عديد من الاتفاقات بين قطبي العالم العربي، مصر والسعودية، تدشينا لواقع جديد وإنجازات مقبلة، أساسها التحالف، إلا أن خادم الحرمين وثقها بوضوح، للحاضر وللتاريخ، في كلمته في قصر الاتحادية، قائلا "إننا فخورون بما حققناه من إنجازات على كافة الأصعدة، التي جعلتنا نعيش اليوم واقعا عربيا وإسلاميا جديدا تشكل التحالفات أساسه".
وتستمر دبلوماسية التحالف في طرق الأبواب السياسية وتقريب وجهات النظر من بابها الأوسع إسلاميا حيث تعقد منظمة التعاون الإسلامي قمتها الثالثة عشرة في إسطنبول بحضور غير مسبوق على مستوى القادة والزعماء، فيما تتواصل هيبة الحضور والاحتفاء بملك الحزم، ليكسر الرئيس أردوغان البروتوكول المتعارف عليه في تركيا، مرحبا بنفسه بالملك سلمان.

توحيد الكلمة

وبإجماع أكثر من ثلثي الدول الإسلامية المجتمعة، تدان إيران وتصرفاتها الهمجية تجاه سفارة المملكة وقنصليتها، فضلا عن تدخلاتها العابرة للحدود في شؤون الغير، كما يدان إرهاب وكيلها في المنطقة المسمى بحزب الله. ما يمثل لأول مرة إدانة مباشرة وغير مسبوقة لعضو من أعضاء المنظمة، إدانة واضحة يرجع كثيرون الفضل في الاجماع عليها إلى دبلوماسية سعودية نشطة وفاعلة سبقت اجتماع القمة. حاشدة الرؤى والأصوات في طريق لم الشمل وتوحيد الكلمة، تفعيلا لميثاق المنظمة و"تأكيدا على مبادئه وأهدافه التي تدعو الدول الأعضاء إلى التعاون لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، وترفض كل مبرر أو عذر للإرهاب"، كما جاء نصا في بيان تأسيس التحالف الإسلامي قبل أقل من عام.
إذن، "التحالف الإسلامي" ليس فقط فعلا عسكريا برز دوره في تمرين "رعد الشمال"، الذي أقيم بحضور زعماء المنطقة في حفر الباطن السعودية، بل دبلوماسي وسياسي أيضا تشهد نتائج قمة إسطنبول بدورها على استمرار نجاحه، في مواجهة الإرهاب ودعاته وعزله بكافة الطرق الممكنة والمتاحة، عسكريا وفكريا وإعلاميا. "انطلاقا من أحكام اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره والقضاء على أهدافه ومسبباته، وأداء لواجب حماية الأمة من شرور كل الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة أيا كان مذهبها وتسميتها التي تعيث في الأرض، قتلاً وفساداً، وتهدف إلى ترويع الآمنين".
ولعل ما أدركته مبكرا قيادة التحالف الإسلامي، وبدأت تحصد نتائجه تصويتا وإجماعا فيما يتعلق بالإرهاب ورعاته. لا يزال كثير من القوى الغربية بعيدا عن الوعي به، إذ إن محاصرة "إرهاب الدول" تحديدا، وتوجيه الرسائل الحازمة لمموليه، هو الخطوة الأولى والأهم بالنسبة إلى التحالف في طريق التضييق على تنظيماته وميليشياته المنتشرة، كحزب الله و"القاعدة" و"داعش" وغيرهم من التنظيمات، ومن هنا تأتي أولوية حصار إرهاب إيران، كملاذ آمن أقرت بحقيقته، وحقيقة التسهيلات التي يقدمها لهذه التنظيمات، كثير من التقارير الاستخباراتية الغربية.
إشادة دولية

وأسلوب التحالف الذي أسست له "عاصفة الحزم"، واقعا لا تنظيرا، عبر تحالفها العربي أعطى بدوره كثيرا من الزخم للتحالف الإسلامي، كنموذج ناجح على مستوى التنسيق بين "الشرعية" وداعميها من أعضاء التحالف، كما حصد التحالف كثيرا من الإشادات العربية والدولية، على مستوى الفعل الدبلوماسي والإعلامي والعسكري المتقن بجبهاته الثلاث، البرية والجوية والبحرية.
يقول "مايكل نايتس" الباحث والمختص في الشؤون الأمنية والعسكرية في حواره مع موقع "ميدل إيست ترانسبارنت" عن القدرات العسكرية لدول التحالف، خصوصاً دولتي الإمارات والمملكة العربية السعودية، شهدت تطوّرا كبيرا، وباتت تلك الدول قادرة على قيادة عملية عسكرية كبرى، ومعقّدة، تستغرق سنة أو أكثر. فدول التحالف بقيادة السعودية وفقا لنايتس قادرة على تنفيذ عمليات إنزال برمائية، وهجمات بإسقاط مظليين، وعمليات حصار بحري، وعمليات اقتحام بالدبابات والمدرعات بأسلوب "البليتزكريج"، علاوة على القيام بعمليات دفاعية ضد الهجمات بالصواريخ.
كما أن الاستخدام المحدود نسبياً لقوات برّية تابعة لدول التحالف لعب دورا إيجابيا وحاسما في عدد من الجبهات التي جرى خوض القتال فيها في وقت واحد، وأسفر عن تعزيز سيطرة الحكومة الشرعية على مدينتين من أصل أكبر ثلاث مدن في اليمن، وأرغم الحوثيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، في وقت أصبحت قوات التحالف على مشارف تحرير صنعاء بالقوة العسكرية.
ويخلص "نايتس" الذي سبق وعمل باحثا لمصلحة وزارة الدفاع الأمريكية أنه بات من المؤكد بعد هذا التحالف إمكانية صد توسّع إيران وإلحاق الهزيمة بوكلائها في المنطقة باحترافية عالية. يبقى أن "دبلوماسية التحالف" السعودية التي تقود هذين التحالفين، العربي والإسلامي، أثبتت قدرة عالية على الحشد الإيجابي، وكسب مزيد من ثقة الدول والشعوب، سياسيا وعسكريا. وهذا ما تحتاج إليه الأمتان لتجاوز هذه الفترة العصيبة من تاريخها، فكريا وإنسانيا، ليبرز هنا، أولا وأخيرا، دور الإعلام، الذي يوليه هذا التحالف كثيرا من الاهتمام والشفافية، موفرا له المعلومات والصور الموثقة عبر أقنية متعددة، وهنا يجتمع جهد الجميع ليشكل سدا منيعا في وجه الإرهاب والعنف بكافة أشكاله ودوافعه.

الأكثر قراءة