العمل الأمثل لتحقيق الإيرادات الرقمية
اتباع نهج واحد لتحقيق الإيرادات من المحتوى الرقمي يعد أكثر نجاعا من التشتت بأكثر من منهج قد يقود إلى إرباك العملاء.
من الواضح أنه لا يمر يوم دون الإعلان عن إطلاق تطبيق مذهل أو طفرة تكنولوجية جديدة. ففي حين يتم إطلاق الخدمات الرقمية الجديدة بسرعة البرق، من المثير للاهتمام أن نماذج الإيرادات لهذه الخدمات لا تزال ضعيفة. وينطبق ذلك بشكل خاص على خدمات المحتوى الرقمي.
يوجد اليوم ثلاثة طرق للحصول على قيمة مالية من المحتوى الرقمي: الدفع مقابل المشاهدة والاشتراكات، أو الإعلان. على العموم لا تعد هذه الطرق أمرا جديدا، وهي الأسلوب نفسه المتبع لكسب المال في العصر غير الرقمي. ومع ذلك فإن التغيير الحاصل هنا نلمسه من خلال استخدام وسائل متعددة للوصول إلى العملاء والسعي لزيادة الإيرادات.
يوجد افتراض سائد في بداية عصر الإنترنت يفضي بأن الشركات ستقوم بتقديم المحتوى والخدمات مجانا، وستعتمد على الإعلانات المدفوعة في الموقع الإلكتروني لتحقيق الأرباح. ولكن سرعان ما أصبح واضحا عدم جدوى هذا الأسلوب، حيث إن إيرادات الإعلانات الرقمية أقل من الإعلانات التقليدية، وسيتجه أغلبية المعلنين في معظم الأحيان إلى لاعبين كبار مثل "جوجل" و"فيسبوك" عوضا عن شركات الإعلام.
ازدادت شعبية المبيعات المنفردة مع ظهور "آي تيونز"، على الرغم من إحجام المستهلكين في البداية عن الدفع مقابل تحميل الخدمات والصعوبات التي يواجهونها في عملية الدفع. ومع ذلك لم يلاق نموذج العمل هذا انتشارا كبيرا. وشهدنا في الآونة الأخيرة زيادة في عدد الاشتراكات، في مواقع مثل سبوتيفايو نيتفليكس، وإتش بي أو، وعدد من المواقع الصحافية، التي تتطلب جميعها دفع اشتراك لقاء الحصول على خدماتها.
لا يزال السعي للحصول على إيرادات عالية أمرا بعيد المنال بالنسبة لعديد من الشركات الرقمية، الأمر الذي يدفعها إلى تجريب النماذج الثلاثة في الوقت ذاته، تحت شعار "كل يورو يعد مكسبا". وفي الوقت الذي يبدو فيه ذلك أمرا منطقيا لتفادي المخاطر، إلا أنه قد يتسبب في نتائج عكسية. فغالبا ما يتم تجاهل حقيقة أن العمل بنماذج الإيرادات الثلاثة يتطلب عوامل مختلفة لتحقيق النجاح.
يبقى الهدف الرئيس في نموذج الإعلان، التأكد من أن الشريحة المستهدفة التي تم الوصول إليها تمثل شريحة كبيرة ومستدامة وذات أهمية بالنسبة للمعلنين، الذين يولون بدورهم اهتماما محدودا بهذا النوع من المحتوى الرقمي الذي تقدمه، طالما أنها لا تؤثر سلبا في علاماتهم التجارية. فالمخاطرة بهذه الحالة غير مكلفة.
بينما يعد استهداف الإيرادات من خلال عمليات الشراء الفردية أمرا مختلفا. حيث يتم كسب المال بهذه الحالة من خلال الترويج لمنتجات مطلوبة. ونجد أن نسبة 80 إلى 90 في المائة من الأفلام والأغاني أو الكتب بالكاد تعود بالربح على الناشر- وقد تتسبب له في الخسارة. فيما يتم تحقيق الأرباح من خلال واحد أو اثنين من المنتجات الشهيرة. وفقا لهذا السيناريو، تعد المخاطرة بنشر محتوى معين، والقدرة على الاستمرار في ظل وضع متذبذب شرطين أساسيين للفوز بالجائزة الكبرى.
يبقى الوضع مختلفا مع نموذج الاشتراكات. فلا يتعلق الأمر هنا بالوقت الذي يقضيه الأشخاص بمشاهدة المحتوى الذي تقدمه، بل بكيفية إرضاء كل عميل. فالمحطة التلفزيونية التي تتقاضى أرباحها من خلال الدفع مقابل المشاهدة، لا تسعى بالضرورة لجذب المشاهد لمتابعة جميع برامجها، وكل ما عليها أن تقدم برنامجا واحدا على الأقل في الأسبوع يستحوذ على إعجاب المشاهد، ما يدفعه إلى تجديد اشتراكه في نهاية العام. وفي هذا السياق من الأفضل عدم قياس نجاح نموذج الاشتراكات من خلال بيانات المشاهدة (المهمة لعائدات الإعلانات) بل من خلال مستويات رضا العملاء.