تغنيا بسطوة ذكورها .. مديح «عارض» لنساء العائلة

تغنيا بسطوة ذكورها .. مديح «عارض» لنساء العائلة
تغنيا بسطوة ذكورها .. مديح «عارض» لنساء العائلة

"غنت النساء في ليالي العرس، ورقصن كما لو أنهن ينفضن عن أجسادهن غبار أيام طويلة من الترهل والرتابة، ومن الحزن والمعاناة". هناك روايات تنقل لك تصور الكاتب لوقائع تغلب عليها رؤاه سواء كانت تشاؤمية أم مفعمة بالمبالغة في انتقاد المحيط ومعاناة الآخرين من خلاله. وذلك ما نلحظه من خلال رواية "مديح لنساء العائلة"، للروائي والكاتب الفلسطيني محمود شقير، التي تم نشرها في عام 2015، عن دار نوفل وهاشيت أنطوان في بيروت، ومن ثم رشحت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2016. وذلك غير مستغرب لروائي مخضرم من مواليد القدس 1941، الذي له من الإصدارات خمسة وأربعون كتابا، وحاز جائزة محمود درويش للحرية والإبداع لعام 2011.

الرواية التي تعد امتدادا لروايته السابقة: "فرس العائلة" يشي عنوانها بالتطرق إلى حيوات النساء لعائلة معينة، إلا أن الأحداث تجري في قرية افتراضية تدعى رأس النبع تقع على مشارف مدينة القدس، تتطرق بأسلوب مباشر لعائلة تنتمي لعشيرة العبد اللات، وتشكو من تشتت العائلة وانهيار العادات والتقاليد، بالأخص في غضون حقبة الخمسينيات والستينيات أثناء نشوء التحولات السياسية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني.

تعدد الرواة

يتبدل الراوي في فصول عديدة من الرواية ليعطي فرصة أكبر للشخوص للحديث عن تجاربهم الحياتية ومنظورهم الشخصي، لتظهر تفاصيل الرواية من خلال شخصيتي كل من الأب منان الحاضر الغائب بين صفحات الرواية إلا من خلال أحاديث الأبناء محمد الأكبر والأصغر وفليحان، والزوجة السادسة والأصغر وضحا، إضافة إلى الأخ عطوان الذي يثبت وجوده في الرواية من خلال رسائله التي يناجي فيها والده.

وإن كان اختيار لشخصيات عديدة وتغييرها في كل فصل يسبب خلطا وصعوبة في التعرف على الشخصيات بسبب عدم تسميتهم ومحاولة إدراكهم من خلال سياق الأحداث والوصف. وعلى الرغم من عدم التطرق المباشر للأب في الرواية، إلا أن سلطويته ومدى تأثيره يظهر من خلال الأبناء المثقلين بعبء قراراته ورغباته، وخيباته إثر اكتشافه اختلافات أبنائه وعدم سيرهم على منهجية العشيرة، كالابن الذي قرر نتيجة خيباته في وطنه الهجرة إلى البرازيل والاقتران بالمسيحية جيزيل وتسمية ابنه سيمون بوليفار أسوة بمناضل من أمريكا اللاتينية. وآخر حاز ثروته نتيجة لمتاجرته عبر تهريب الممنوعات والمواد المخدرة. وابن آخر قرر ترك وظيفته الحكومية في المحكمة الشرعية في محاولة لتحقيق حلمه في مشروع كتاب عظيم، ليعكس الأحلام المجهضة، والإمعان في لوم الآخرين وإلقاء المسؤولية عليهم في كل شيء بما فيه قتل قدراته ومواهبه.

أبرز التحولات السياسية والاجتماعية في فلسطين

فيما يستخدم الروائي محمود شقير لغة سهلة وأسلوبا مباشرا بعيدا عن التنميق اللغوي، وباختيار ذكي لأسماء تقليدية تعكس النمط الاجتماعي وقتئذ، مع استخدام متزن للهجة المحكية الشعبية دون إسهاب في استخدامها.

تغوص رواية "مديح لنساء العائلة" في المجتمع الفلسطيني المثخن آنذاك بالأعراف والممارسات المرتبطة بالتقاليد كتعدد النساء، والتنافس بين الزوجات لكسب الزوج وما بين الأبناء في كيفية قيادة العائلة والتميز بين الآخرين. يتقاطع ذلك مع هموم داخلية للشعب الفلسطيني ترافق العشائر والشيوخ كهم التهجير من البلاد أو الاضطرار إلى التسلل للقاء الأقارب أو الاقتران بالأقرب للقلب. بأسلوب حرفي يتطرق الكاتب محمود شقير بأسلوب غير مباشر ودون إسهاب للأحداث السياسية والاجتماعية في حقبتي الخمسينيات والستينيات كمعاناة أهل فلسطين في عام ثمانية وأربعين، والمذابح التي ارتكبتها الصهاينة وإجبارهم على ترك مدنهم وقراهم والهجرة من البلاد، وتنساق الأحداث لانتخابات عام 1956 في عموم البلاد والترشيح لها، والتباين في الميول السياسية للشباب ما بين ميل للشيوعية أو تفضيل للناصرية ومن ثم الصدمة من جراء هزيمة حرب عام 67 وفقدان الإيمان بشعارات العروبة. يمتزج ذلك بالتحولات الاجتماعية كوصول الكهرباء في عام 1965 إلى رأس النبع والتغييرات الملموسة إثر ذلك وردود الأفعال الآنية من اعتقاد بأن الأشياء التي تستخدم الكهرباء كالمذياع المسكون بالجن والتلفاز الحافل بجنيات لا يتورعن عن عرض أجزاء من أجسادهن من دون حياء. فيما تظهر ظروف حياتية صعبة كالتسلل أو الهروب بغرض الزواج، ورفض بعض الأسر الخيارات بسبب اختلاف التكافؤ الاجتماعي.

استعراض الأحداث

الرواية تحمل نسقا بديعا وأسلوبا سلسا يدفع القارئ إلى توقع حصوله على أحداث مثيرة في حياة الإخوة بشخصياتهم الشديدة التباين، التي تحمل في أعماقها غضبا وإعلانا خفيا للتمرد على الوضع الراهن.

#2#

وعلى الرغم من ذلك إلا أن الأحداث تبدو أقرب إلى محاولة استعراض للتقاليد والتراث، دون إعطاء الفرصة للقارئ للتعاطف مع الشخوص أو الارتباط بهم، لتظهر الرواية أشبه بتصوير تقريري للأحداث بعيدا عن معالجة عقدة محورية، باستثناء محاولة تغيير نمطية النساء وإصرارهن على اللباس التقليدي الذي يخفي أجسادهن ويحتفظ بحشمتهن.

النساء حاضرات غائبات

الرواية تمثل اعتراضا على عنوانها. إذ لا تدور أحداثها حول نساء العائلة، فهن هامشيات يأتين مكملات لقصص الآخرين من رجال عشيرة العبد اللات بأحلامهم التي لا تتحقق وحيواتهم المتهالكة المختلطة بإحباطاتهم ونزقهم. وإن كانت المرأة تشكل انعكاسا للفكر التقليدي والتمسك بالعادات والتقاليد، ومزجها بالإيمان بالخرافات كالخوف من العتمة التي تتسبب بزيادة مخاوف الأم إذ: "كانت لديها قناعة بأن العتمة أنثى شريرة متفرغة لاحتضان الجن". تظهر النساء بصورة جمالية تجسد الإيمان بالخرافة والحاجة إلى استخدام البخور والتعاويذ، وتصور شياطين يركضون في إثر النساء غير المتسترات. فيما يتكرر التطرق للسروال الداخلي الذي ترتديه النساء تحت ثيابهن كدلالة على العفة والتقليدية والخوف من التغيير، فيما يسعى الذكور إلى إبطال تلك العادة التي تقضي على أنوثة المرأة مع مواجهة لتمنع قوي بالأخص في البداية. فيما يظهر من جهة أخرى أنين المرأة من خلال أحداث يتعرض لها الابن محمد الأصغر الذي كان يعمل في المحكمة الشرعية ليصبح ذلك مدخلا للرواية للحديث عن قصص عديدة لتأزم حيوات النساء الفلسطينيات مع الأزواج. وإن كان هناك تلميح لانهيار السلطة الذكورية و"تشتت العائلة" وظهور شخصيات نسائية قوية كالأخت فلحة التي قررت الهروب مع حبيبها، وإن كان ذلك حدثا عارضيا، وظهور شخصية سناء التي تتزوج أحد الإخوة رغم تقدمها في السن عنه وزواجها السابق وعدم قدرتها على الإنجاب، وتمردها على العادات والتقاليد.

رفض التغيير

"ورغم أنني حصلت على قسط من التعليم كان يؤهلني للعمل كاتبا في ورشة لشق الطرق أو موظفا في شركة، إلا أن الرغبة في رعي الأغنام لم تفارقني. مع الأغنام، أظل على تماس مع الطبيعة التي تمنحنا العشب الذي أنتظره بشغف كل عام". يظهر ذلك الاقتباس في الرواية رفض فليحان تغيير مجرى حياته على الرغم من إدراكه التغيرات من حوله. وذلك ما تعكسه الرواية من استمرار لإنكار التغيير المرتبط باندهاش لما يحدث من تطور وربطه بالتفسق والانحلال أو اختيار الاستمرار على النسق ذاته لمجرد الشعور بارتياح نفسي مرتبط بالوضع الحالي والاستقرار. فيما تتجلى إحباطات كل من يحاول الخروج عن عباءة الحياة التقليدية والتمرد على الأعراف والتقاليد، وكأن الحل الأمثل هو اتخاذ قرار الهروب والهجرة خارج الوطن والتأسي على ما فات.

يبقى المديح «لرجال العائلة»

وعلى الرغم من أن وجود المرأة يحتل حيزا من الرواية سواء بتمسكها بالتقاليد أو تألمها لتجبر الرجل، إلا أن رواية "مديح لنساء العائلة" لا تظهر أي مديح للمرأة كما يتوقع من العنوان. ولا تظهر الشخصيات المحورية أنثوية كروايات كلاسيكية تنبض بأسماء شخصيات نسائية كـ"كبرياء وهوى" و"نساء صغيرات". فالرواية تظهر سلطوية ذكورية حتى في اختيارها الشخصيات، ويبقى المديح والذم مستندا إلى الشخصيات الذكورية المحورية فمنهم المتسلطون متعددو الزوجات ومنهم التقدميّون الثائرون على الزي التقليدي للمرأة. فيما تظل المرأة في انتظار انسياقها لتلك التغييرات عبر الإرغام.

الأكثر قراءة