«الرقمية» تقضي على الخطط الاستراتيجية

«الرقمية» تقضي على الخطط الاستراتيجية

أربع خطوات حاسمة لإيجاد استراتيجية عمل تناسب العصر الرقمي.
يعكس قطاع الصحافة اليوم الطريقة التي تقوم عليها استراتيجيات الإنترنت والأخرى الرقمية التي تقوض نماذج الأعمال التقليدية. كما يعاني عديد من الصحف بسبب شفافية مواقع الأخبار الإلكترونية التي تتيح الوصول لأخبار العالم بسهولة أكثر من أي وقت مضى، من خلال عديد من البوابات، بما فيها تلك التي أسستها شركات الصحافة التقليدية.
على سبيل المثال صحيفة "ديلي ميل أون لاين"، التي تعتبر واحدة من أكبر المواقع الإخبارية في العالم، التي تلقى أخبارها إقبالا عالميا، حيث تتواصل عملية جمع الأخبار على مدار اليوم وفي كافة أنحاء العالم. يبدو أن صحافييها لا يعرفون النوم وقراءها على اطلاع على آخر المستجدات على مدار الساعة. يصف مايك دارسي، الرئيس التنفيذي لـ "ذا تايمز أوف لندن" الموقع الإلكتروني للديلي ميل بأنه منتج جديد تماما. حيث قال "تختص صحيفة ديلي ميل المطبوعة بأخبار المملكة المتحدة، في حين تعتبر ميل أون لاين لخدمة أخبار المشاهير العالمية وتستهدف جمهورا مختلفا"، كما أشرت في كتابي أخيرا، الاستراتيجية الرقمية: عندما تلتقي الاستراتيجية بالتكتيك تقضي على الخطة الاستراتيجية.
تعتبر صحيفة "الديلي ميل" هجينة، فهي شركة تقليدية تنشر على نحو متزايد في الفضاء الرقمي. لذا تتأثر كلاعب رقمي بنظرائها الرقميين أو المتخصصين، وهو ما يقلب قواعد اللعبة من خلال نسف أو تغيير خططهم الاستراتيجية، وسعيها إلى النمو وزيادتها حصتها السوقية على حساب الربح على المدى القصير.
يجب أن تتم عملية صنع القرار بشكل أسرع، بسبب التداخل الكبير بين الاستراتيجية والتكتيكات. أدرك أهمية هذا التداخل سيدار شاهين المسؤول عن "بيك جيمز" التركية الذي قال: "النجاح يتطلب الحصول على رأي العملاء دون تأخير – وبما أن مراجعتها بشكل شهري تعتبر بطيئة ولا تفي بالغرض، لذا لم تنجح فرق العمل الفاعلة بذلك".
وفي السياق نفسه، فإن بعض الجوانب التقليدية للاستراتيجية ذات أهمية كما في الماضي:
- الاتسام بالوضوح والرؤية.
- التركيز على تلبية المتطلبات المختلفة للعملاء والميزة التنافسية.
- السعي للاحتفاظ بحصة سوقية.
- ترجمة ما سبق إلى أرباح وإعادة استثمارها لاحقا.
في ظل النقاط السابقة، توجد أربعة عوامل حاسمة لإيجاد استراتيجية عمل مناسبة للعصر الرقمي سواء الهجينة منها أو المصممة خصيصا لتناسب ذلك العصر.
1 - طرح رؤية واحدة واعدة.
وجود رؤية طموحة تستطيع المؤسسة تنفيذها يعتبر أمرا حيويا في عالم سريع ومتغير ويصعب التنبؤ به. وينبغي أن تعبر هذه الرؤية عن الهدف بشكل يلهم الأشخاص ولكونهم جزءا من هذه الرحلة.
تمتلك "أمازون" و"جوجل" رؤى جريئة. حيث تمكنت كل من أمازون "كأكبر شركة في العالم تركز على العملاء" و جوجل "الشركة التي تضم أكبر حجم للمعلومات في العالم" من تحقيق التوازن بين الطموح والحافز من جهة، والاستقرار والاستمرارية من جهة أخرى.
تذكر أنه في حال تغير الرؤية بشكل دوري، لا يعتبر ذلك بالأمر الجيد، ولا يعبر عن وجود رؤية من الأساس.
2 - وضع أهداف استراتيجية لمدة 90 يوما
تحديد مدة 90 يوما للأولويات لكل فرد في المؤسسة. وبما أن التغيير يحصل بسرعة كبيرة فإن فترة 90 يوما كافية على الأرجح لتقييم ما إذا كانت الأهداف والاستراتيجية مناسبة وقابلة للتحقيق.
يتعين على الشركات التأكد خلال 90 يوما، من أن جميع المهام تتماشى مع بعضها بعضا. ويتم تحقيق ذلك على أمثل وجه عن طريق الاجتماع بجميع الأطراف المعنية لمناقشة هذه الأهداف، ومعرفة ما إذا كانت تحتاج إلى تعديل بشكل يعكس متطلبات العمل.
يتطلب العمل في العالم الرقمي قدرا أكبر من التقاطع الوظيفي من ذلك الموجود في المؤسسات التقليدية: فجميع فرق العمل تحتاج إلى السير في الاتجاه نفسه.
3 - تحديث وإعادة تقييم الخطط المالية سنويا
تحتاج جميع الشركات الرقمية إلى خطة مالية مدتها ثلاث سنوات لطمأنة المصارف والمستثمرين بجدوى استثمارهم، وإقناعهم بأنهم وظفوا أموالهم في المكان الصحيح. ومع ذلك، فإن هذه المدة، في قطاع الأعمال الرقمي السريع الخطى، مؤشر عام عما هو متوقع من الناحية المالية - ويتعين على الشركات أن تتمتع بالشفافية حول ما تنوي تحقيقه في ظل النتائج المالية والتشغيلية. ويجب أن تستمر هذه الشفافية بعد السنة الأولى: كيف سارت الأمور؟ ما الذي لم تنجح في تحقيقه؟ ما الذي يتعين على الشركات تغييره في استراتيجيتها لتعكس الدروس المستفادة؟ وكيف سيؤثر ذلك في أدائنا المالي والاحتياجات المالية؟ هذه الأسئلة إلزامية للتخطيط للمستقبل بشكل فعال مع مزيد من التبصر والفهم.
4 - مقاييس جديدة للنجاح
أوجدت طبيعة البيانات الغنية في عالم الأعمال الرقمي، طرقا لا تعد ولا تحصى لقياس ومراقبة النجاح. على سبيل المثال، يتم رصد "رحلة العملاء" بشكل صحيح، عندما تعطي شركات نظرة فريدة حول سلوك العملاء. وهذا بدوره، يوفر فرصا لإعادة تصميم وتحسين تجربة العملاء بناء على النتائج المستقاة، ومن ثم قياسها من خلال خدمات الشركة، كالتسليم في الوقت المحدد.
تحتاج هذه المقاييس إضافة إلى ذلك، إلى أن تكون متطورة بما يكفي لإدراك أن التجريب جزء لا يتجزأ من العالم الرقمي، وأن درجة الخطأ في هذه التجارب واردة أيضا. وفقط من خلال اتباع نهج مختلفة، وتقييمها بسرعة، وإعادة ترتيبها حول التجارب التي تبدو ناجحة والتخلي عن الأخرى غير الواعدة، يكون بإمكانك صقل وتطوير استراتيجية في العالم الرقمي الجديد.أصبحت الاستراتيجية في العصر الرقمي عملية تفاعلية بشكل متزايد. فتغير نماذج العمل الرقمي يؤثر في السرعة التي يتم فيها اتخاذ القرارات ومعالجتها. وفي حال كنت تعمل في أحد الأعمال التقليدية القادرة على اعتماد النماذج الرقمية المناسبة لضمان الاستمرارية والتوسع في هذا المجال، فأنت على الأرجح من ضمن الأوفر حظا في العالم. ولكن ستكون الخسارة من نصيبك إذا ما تحركت ببطء لصالح منافسيك الرقميين الأكثر فطنة.
سيتقارب كل من الشركات الرقمية والتقليدية في عديد من القطاعات على المدى البعيد، وسيتوقف مصطلح "الرقمية" عن كونه الكلمة التي تصف العالم القديم والجديد. وستنجح فقط الشركات القادرة على دمج الفكر القديم والجديد لإيجاد تنافسية مستدامة والقيمة التي تتماشى معها.

* ماجستير إدارة أعمال - كلية إنسياد

الأكثر قراءة