رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


قرر خياراتك لتعرف من أنت

لا يمكن الوصول إلى حياة تتوافر فيها فرص وخيارات عديدة، دون أن تتسم بعدد من السمات؛ كالتنافسية والعدالة والمساواة وعدم التمييز، التي تمثل وغيرها من المبادئ السامية الركيزة الرئيسة والأرضية التي تقف عليها الحياة المستقيمة. من أهم أشكالها في عصرنا الراهن، كسب الرزق، والسعي في الأرض بحثا عن لقمة العيش، إما بالحصول على فرصة عمل، أو سعيا في دروب التجارة على اختلاف مسالكها وتنوعها، وهو ما يمكن القول عنه بلغة عصرنا الراهن، إنه الواقع ضمن مجالات الإدارة والاقتصاد التي يحكمها إما تنافسية تجاهد نحو الكمال، أو احتكار يحارب للاستحواذ على كل ما هو حوله، فإن حكمت التنافسية؛ انفتحت أمام الأفراد فرص وخيارات لا حصر لها نحو النمو المستدام، وتوافر فرص الاستثمار والإنتاج والتشغيل وإيجاد الفرص الكريمة للعمل، وتحسين بيئة الحياة بكل أشكالها بدءا من مستويات المعيشة، مرورا بمساواة نيل الفرص دون غبن أو غش أو تدليس، وتقرير خيارات المستقبل دون أي تدخل غير مشروع من أي طرف كان، وصولا إلى تحقيق العدالة وحفظ الحقوق بأقصى ما يمكن لها على أرض الواقع، التي تقضي تماما على معوقات وصول الشركاء في الاقتصاد والتنمية والحياة بكل أشكالها إلى حقوقهم كاملة، دون تمييز جائر أمام الفرص والخيارات الحياتية، أو تطفيف مجحف سواء في الأجور والتعويضات المادية أو في الأسعار وتكاليف المعيشة. وعكس كل ذلك تماما إن أحكم الآخر "الاحتكار" قبضته على مقدرات كل ما تقدم ذكره.
إنها أفكار أصبحت مصنفة ضمن الطوباويات والخيالات، إن لم تكن من المستحيلات، التي لم يعد لها بالكاد أي موقع يذكر في مفردات حياتنا المعاصرة بكل أسف، ولا أبالغ بالقول إن حتى من يطرح أو يتناول مثل هذه الأفكار في حديثه أو كتاباته؛ قد يجد نفسه في عزلة شبه تامة عن كل ما يحيط به من أشكال الوجود، ولا عجب في ذلك! فكل ما يحيط به مضى عليه حين من الدهر ليس بالهين، سيطرت فيه إلى حدود بعيدة جدا، أنانية المصالح وتبادلها بمقابل مادي، وطمع التملك والاحتكار والسلطة والسيطرة، حتى غدت هي المشكل الرئيس لأغلب إن لم يكن كل خطوط شبكة حياتنا المعاصرة، فلا فكاك منها إلا بفرج مبين من الخالق العظيم، يسخر له الأسباب والبشر القادرين الصابرين.
إن سألت نفسك، وظل بك الحال طويلا لاهثا خلف أسئلة كثيرة تتعلق بمصيرك في الحياة، حول فرص حياتك وخياراتك ومستقبلك المنشود، ووجدت أنها تضمحل في أحيان كثيرة إلى حدود العدم أو فوقه بقدر ضئيل، وأن الأسباب في عديد من تلك الحالات يتجاوز كثيرا حدوث تقصير أو إهمال منك، إلى ما هو أبعد من ذلك؟! فاعلم - رحمك الله - أنك تستوطن رغما عنك أحد مستنقعات غياب التنافسية العادلة، وقد لا تجد منفذا لتحقيق المطالب والأمنيات إلا وفق المنطق السائد في الزمن والمكان الذي تقف بقدميك في نقطة تقاطعه، وأنت حينئذ أمام خيار وحيد لا ثاني له؛ إما أن تبقى أسير طوباوية ما تقدم ذكره إلى أن يقدر لك ربك شيئا كان مكتوبا لك، أو أن تتخلى عنها فتسلك أحد الطرق المتاحة واقعا، فتصل بأسرع السبل إلى ما كنت تنشده وتطمح إليه.
الخيار يبقى لك أولا وآخرا، وأنت وحدك فقط ومن ملكتهم يمينك من سيجني ثمرة قرارك، وفي الوقت ذاته ستبقى أنت وحدك من يحمل غرمه إن ساءت الأمور. قد يصنف صاحب الخيار الأول "أسير الطوباوية والخيال" بلغة زماننا المعاصر على أنه الأحمق، الذي فرط في اقتناص فرصة العمر أو حتى فرص العمر! ودون شك أن صاحب الخيار الآخر "المتكيف مع معطيات العصر"، قد يصنف على أنه الذئب والداهية، الذي اقتنص فرص العمر دون تردد، فحظي بنيل المطالب،
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
نتائج الخيار أعلاه، مشاهدها قائمة أمام أعيننا وخلف أظهرنا، ولا مجال أبدا لدينا لإنكار وجودها، أو حتى تجاهلها، إنها مخرجات العصر المادي أو سمه ما شئت من الأسماء، التي نتعايش معها صباح مساء.
إن صاحب الخيار الأول؛ يرى ما لا يراه من اختلف معه أو خالفه في الرأي، فقد رأى أن التنازل عن المبدأ لا يمكن أبدا أن يكون هو ثمن امتلاك الفرصة، ولا ضرر بالنسبة إليه أن يخسرها دون أن يفقد مبادئه، التي وفقا لمنهجه في الحياة، لا يعتقد أن خسارتها قد يعوضها أي بديل مهما غلا ثمنه بلغة أرقام عصره، وأن إيمانه الراسخ برب العزة والجلال، يوحي إليه دائما "أن من ترك شيئا لله، فسيعوضه الله خيرا منه"، ولا يهمه بعدئذ ماذا قد يحدث له، ما دام أنه بقي شامخا راسخا كالجبل، كاسبا ومحافظا على كرامة نفسه ودرر مبادئه حتى آخر رمق من حياته، حتى وإن غادر دنياه لا يملك من حطامها شروى نقير.
أما صاحب الخيار الآخر؛ فهو بكل تأكيد مختلف تماما عن الأول، وفي ميزانه العملي أو الواقعي كما يرى، لا تمضي الحياة من وجهة نظره كما يرى سابقه صاحب الخيار الأول، فلا يجب وفقا لمنظوره تفويت أي فرصة، وأن منطق العصر بغض النظر عن هل هو سيئ أم جيد؟ لا مجال لأن تقف وحيدا منفردا في وجهه، وأن عليك أن تقتنص فرصة لن تعود إليك مرة أخرى، لا يهمك هنا أبدا ثمن الفوز بها، الأهم أن تقبض عليها مفترسها، وأن تكون متأهبا على الدوام لاقتناص بقية الفرص، ولا مقام هنا للتردد أو التأخر "اشرب قبل لا يحوس الطين صافيها".
من هو صاحب الخيار الصحيح؟ أنت من يجيب عنه (كل امرئ بما كسب رهين)، على أن التقاطع أو اختلاط خيارات الحياة وتشابكها أمر وارد هنا، وقد يصعب على المرء منا التفريق بين ما هو صحيح وما هو خاطئ، أو بين ما هو حق كامل وباطل كامل، الأهم أمام كل هذه الخيارات العديدة في حياة كل منا، أن كل إنسان هو المسؤول الأول والأخير عن الخيار الذي اختاره، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، أو ما اختلط بينهما مما استعصى على أحدنا تمييزه أو تحديده. والله ولي التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي