في وداع مصر .. مكانة ملك ومحبة شعب
تركي التركي من الرياض
يختتم اليوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز زيارته التاريخية لمصر. بعد أيام خمسة حفلت بكثير من الترحاب الحكومي والإعلامي والشعبي اللافت والمعبر عن مكانة الملك سلمان لدى مصر حكومة وشعبا. وتجلى ذلك في عاصفة من التصفيق الحار قوبل به في البرلمان المصري كأول زعيم عربي يلقي فيه خطابا، فضلا عن القصائد الترحيبية من قبل بعض النواب. كما تختتم الزيارة بكثير من الاتفاقيات التي شهدها قصر الاتحادية المعروف أيضا بقصر العروبة. وأخرى شهدها قصر عابدين ببعده الرمزي التأسيسي لدى القيادتين، مرورا بالأزهر الشريف، رمز الوسطية والاعتدال، وجامعة القاهرة العريقة مهد كثير من الإشعاع الحضاري والتعليمي. وصولا لقبة البرلمان المصري (مجلس الشعب). الذي كان الملك المؤسس عبد العزيز قد شارك مصر فرحة إنشائه عام 1924 بإرساله وفدا رفيع المستوى للتهنئة آنذاك. فيما اختاره خادم الحرمين الملك سلمان ليكون محلا لخطابه بعد توقيع عديد من العقود. في لفتة حكيمة وفارقة تضع كل ما تم إقراره وبحثه في هذه الزيارة أمام نواب الشعب وممثليه. في رسالة ختامية تؤكد للجميع بمن فيهم المعنيون، إجرائيا وتنفيذيا، بهذه العقود أن كل ما عمل في هذه الزيارة "من الشعب وإلى الشعب".
"روح" للتاريخ و"جسر" للجغرافيا
زيارة بثت كثيرا من روح التفاؤل والأمل العربي داخل مصر وخارجها. مذكرة بأمجاد وحدوية عاشتها مصر وعاشها العرب ولو لفترات متباعدة. زيارة لوحظ أيضا توثيقها لعرى لحمة الداخل المصري حكومة وشعبا ومعارضة طيلة أيامها الخمسة. في وقت فيه العرب جميعا بأمس الحاجة لهذه الروح على المديين القريب والبعيد.
وخارج مصر كانت كل الأعين إعلاميا وشعبيا تتابع بشغف مخرجات هذه الزيارة أولا بأول. والتي فاجأت الجميع بالإعلان عن "جسر الملك سلمان" الذي سيربط بين مصر والسعودية، آسيا وإفريقيا. في خطوة عملية طوت صفحتين جغرافيتين، كان لا بد منهما بعد كل هذا التقارب التاريخي. فمن جهة وضع حدا للخلاف الحدودي حول الجزيرتين الذي استمر لأكثر من نصف قرن بين الجارتين. ومن جهة أخرى ربط البلدين، برباط جغرافي وثيق خيره سيمتد ليشمل العرب خصوصا، والتجارة العالمية بشكل عام.
#2#
وإلى هنا لم تنته مفاعيل هذه الزيارة التاريخية، جغرافيا وعمليا، بل بدأت من حيث أقرت كثيرا من المشاريع التجارية (السوق الحرة) والتعليمية (جامعة الملك سلمان) والتنموية في شبه جزيرة سيناء. ليكون هذا الاختيار الجغرافي موفقا ودقيقا لمصلحة العالمين العربي والإنساني بحفظه للأمنين الإقليمي والعالمي، حيث تشير التقارير الميدانية إلى أن هذه المنطقة من العالم تمثل تهديدا أمنيا حقيقيا على المنطقة والعالم. بعد تغلغل الدواعش وكثير من التنظيمات الإرهابية فيها إثر فترات الفراغ السيادي والأمني الذي تركته سنوات ما سمي بالربيع العربي.
فكان الحل الأمثل من وجهة نظر هذه الزيارة والمعدين لها مسبقا، وتحديدا المجلس التنسيقي السعودي المصري برئاسة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء مصر لمواجهة تهديدات ومخاطر هذه البقعة من العالم، حلا تنمويا وتعليميا وليس أمنيا عسكريا فقط. ما لقي بدوره كثيرا من الإشادة الشعبية، مصريا وعربيا وعالميا. ولعله وفقا لمتابعين يمهد لحل مماثل تتبناه القوى العالمية في ليبيا التي تغرق بدورها في سيناريو مشابه تتمدد فيه الميليشيات دون حسيب أو رقيب.
الشراكة والاستثمار في الإنسان
وخلافا لمنطق الهبات والمنح القديم في تمويل مثل هذه المشاريع التنموية اقتصاديا، سواء من قبل دول مانحة أو من خلال صناديق التنمية أو البنك الدولي. اختار المجلس التنسيقي منطق الشراكة والتكامل بين الدولتين، عبر قطاعيه الحكومي والخاص، وبتمويل من صناديق سيادية استثمارية موجودة سلفا وآخر مشترك بين البلدين وضع خصيصا لتمويل هذه المشاريع وتم الإعلان عنه أخيرا.
ووفقا لاقتصاديين، فإن هذه الطريقة في التمويل تحفز على الإنجاز والمتابعة متجاوزة المشاكل البيروقراطية التي تعوق عادة مثل هذه المشاريع، فضلا عما توفره هذه المشاريع من بنى تحتية وفرص وظيفية دائمة تصب في خدمة الشعبين على تنوع شرائحهما.
وبالعودة للقاهرة فقد حظي الأزهر الشريف، بالتوازي مع خطط التنمية المقررة، بدعم لا محدود من قبل خادم الحرمين الذي أكد في زيارته أن الأزهر واحتياجاته المستقبلية محل عنايته الشخصية، ليستمر منبرا فكريا ودينيا خادما للإسلام والمسلمين عبر رسالته الوسطية المعتدلة إلى جانب المنابر الدينية السعودية والعربية الأخرى التي تحمل الهم ذاته، والتي لا غنى عنها لعموم المسلمين، خصوصا والمجتمع العربي والإسلامي يمر بأسوأ ظروفه وحالاته من حيث بث خطابات الكراهية وأفعال التطرّف التي لا يقرها دين ولا يرتضيها وطن.
كما أقر خادم الحرمين إلى جانب ذلك دعما ماليا للمستشفى التابع لجامعة القاهرة (القصر العيني) كي يواصل رسالتيه العلمية البحثية والطبية الإنسانية، مؤكدا من خلال تنوع الدعم وشموليته اقتصاديا وفكريا وإنسانيا، على أن الإنسان يأتي أولا في معادلة الشراكة والبناء التي يتبناها الملك تجاه مصر وشعبها، وتعزيزا لعلاقات وطيدة من الإخاء والمحبة قابلتها الدولة المصرية بمنح الملك سلمان، قلادة النيل، تعبيرًا عن "مشاعر المحبة والإعزاز والإخاء"، وهي أعلى وسام شرف رسمي في مصر، وذلك بعد يوم واحدٍ من منح جامعة القاهرة، دكتوراه فخرية، "تقديرًا لدوره، وبوصفه شخصية عالمية محورية لها تأثير بالغ في محيطها العربي والدولي"، كما جاء في خطاب مجلس الجامعة.
يبقى أن خادم الحرمين الملك سلمان أراد بشكل واضح أن تخرج هذه الزيارة عن بروتوكولات الزيارات السياسية المعتادة، لمكانة مصر في نفسه، كما عبر عن ذلك الملك في تغريدة خاصة فور وصوله. فكان ما أراد إذ استطاعت هذه الزيارة أن تبث كثيرا من الدفء في العلاقة بين البلدين، عمليا وعاطفيا. كما بددت كثيرا من الأوهام المتداولة حول طبيعة العلاقة بين البلدين، بفعل محرضي شبكات التواصل والإعلام المغرض، من أشباه المثقفين والسياسيين، فضلا عما وضعته هذه الزيارة واختزلته في خطاب الملك سلمان أمام البرلمان المصري من خطوط عريضة لحلول عملية أمنية وإجرائية، تهدف لمواجهة خطر الإرهاب وعواقبه التي باتت تتهدد الجميع، بتعزيز التنمية والاقتصاد من جهة، وبقوة التحالفات العسكرية والفكرية والإعلامية من جهة أخرى.