بينما مستقبل الإنسانية على المحك ..«السياسة» تعيش كل يوم بيومه

بينما مستقبل الإنسانية على المحك ..«السياسة» تعيش كل يوم بيومه

منذ ما يربو على ثلاثة قرون من الزمن والغرب مركز العالم؛ أو بلغة أدق "نظام العالم"، صحيح أن منطق التداول على مقطورة القيادة احترم بين الإمبراطوريات الكبرى طيلة هذه المدة. فانتقلت شارة الزعامة بين أكثر من دولة حتى آلت في العصر الراهن إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وصحيح أيضا أن الحديث عن "الغرب" كمركز أو كنظام للعالم في هذا المقام يكون بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي القائم في هذه الدولة أو تلك (رأسمالي، اشتراكي، يساري، شيوعي ...)، لأن الأمر بأجمعه ليس سوى تباين في المصالح، وتنافس على الموارد والنفوذ لا أقل ولا أكثر.
فالقيم الكبرى للغرب في ذروة هذا الانقسام تظل واحدة حسب المفكر اللبناني رضوان السيد، إذ تمكن هؤلاء "المنقسمون" من إنشاء هيئة الأمم المتحدة عام 1945، وإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعده بثلاث سنوات (1948)، وما تلاه من مواثيق دولية متصلة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في أوج الحرب الباردة بدء من منتصف ستينيات القرن الماضي.
ويذهب السيد إلى حد القول إن مجموع تلك الإعلانات التالية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو تصريح عن إجماع أو توافق غربي على قيم مشتركة، استنادا إلى فكرة التقدم الإنساني التي لا يختلف عنها أو حولها أرباب الأيديولوجيات والممارسات الاقتصادية المشتركة على امتداد ربوع الغرب.
ندع جانبا الخوض في السجال عن شيء هلامي اسمه "غرب موحد"، لما يحتاج إليه الأمر من استدعاء لأحداث التاريخ ومعطيات الجغرافيا ليس مكان إيرادها، لنكتفي ببحث مدى صحة وسلامة فكرة "التقدم الإنساني" هذه، في عصرنا الراهن حيث تتهدد البشرية مخاطر جمة (العنف، البيئة، الاقتصاد، الأمن،...).
نجد أنفسنا نردد بمعية الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (Edgar Morin) سؤالا إشكاليا أقرب إلى المنهج السقراطي في التوليد المعرفي منه إلى الاستفهام الجوابي البسيط، مفاده "إلى أين نحن ذاهبون؟" هكذا، وبهذه الكلمات القليلة يحاصرنا الرجل، فبعد الفراغ الهائل الذي أوجده نظام العولمة، الذي جاء نتيجة حتمية لتطور العصر العالمي طوال قرون عبر السيطرة والقمع والاستعباد.
الوضع ذاته لا يزال مستمرا حتى اليوم، لكن بشكل يجعل من الصعب جيدا إدراك ما يحصل، والوعي بحقيقة ما يجري. أو دعونا نعبر عنه بلسان الإسباني خوسيه أورتيجا إي جاسيت (José Ortega y Gasset) الفيلسوف الليبرالي المثالي المنتمي لجيل 1914 حين قال: "نحن لا نعرف ما يحصل، وهذا ما يحصل" في إشارة منه إلى جهلنا الكلي لما يحصل.
فمن الصعب إذ فهم ما يحصل في عالمنا المعاصر، ومن العصي علينا استيعاب مجريات حاضر متشابك، يراه كل واحد من منظاره الخاص: أزمة اقتصادية؛ نمو ديموغرافي؛ صراع الأديان؛ مشكلة الديمقراطية؛ ... وهكذا تطول اللائحة أكثر مما نتصور.
مضاف إلى ذلك مشكلة معرفة المستقبل. أي نعم، فجوهر الأزمة الحالية مرتبط بالمعرفة، أو بتعبير دقيق لإدغار موران "معرفة المعرفة وأفخاخ المعرفة، الأفخاخ الموجودة في سيكولوجيا كل فرد، في الثقافة، في العلاقات البشرية".
لقد كانت المعركة الإنسانية على مدار القرن الماضي حول التمدد الديمقراطي، وتوسيع مدى انتشار الحرية والأمن والعيش والسلم في الأركان الأربعة للعالم. وفق لما ذهب إليه الأكاديمي الأمريكي لاري ديموند (Larry Diamond) في كتابه "روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة" (2008). بينما الخطر الأكبر في هذا القرن يمكن في الخوف، وما يتولد عنه من ويلات العنف المتزايد، ولظى الحرائق الناجمة عنه، التي تكبر دوائرها مع توغل البشرية في الألفية الثالثة، فالفوضى والشك والخطر معالم رسمت بداية القرن الحادي والعشرين بامتياز.
مع توالي الأحداث (11 سبتمبر، غزو أفغانستان والعراق، التفجيرات الانتحارية بعد دول، الكوارث البيئية، الأزمة الاقتصادية، الربيع العربي ...) وبالتدريج بدأت أزمة الوضوح تلوح في الأفق، فلا مشروع واضح لدى البشرية، ولا معالم خطة لمجابهة شكوك المستقبل. وإنا كل ما يتعين أمامنا سياسات وأفراد يعيشون كل يوم بيومه. وهذا يعني مما يعنيه العيش في قلق وبؤس مستديمين، إنه ليس بؤسا ماديا فقط، وإنما بؤس الهوان والذل والخضوع.
تعيش السياسة بحد ذاتها كل يوم بيومه وتختزل بالاقتصاد، وحين يعتمد هذا الأخير على الحساب بشكل حصري، وحين يتجاهل هذا الحساب بدوره الحقائق البشرية والعواطف والحب والكره والذل والمعاناة، حينذاك نصبح غير قادرين على الفهم.
إننا باختصار أمام ما عبر عنه الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث (Axel Honneth) رائد الجيل الثالث من مدرسة فرانكفورت النقدية أبلغ تعبير في أحدث إصدار له بعنوان "الفكرة الاشتراكية" بقوله إننا: "أمام نظام منفلت من عقاله، يفقد المجتمعي فيه مركزيته. وهكذا أضحت قيم مثل الصداقة والضيافة والتضامن وحسن الجوار مهددة. فالمال يحدد يومنا ويشكله، وحياتنا اليومية لا تتكلم إلا بلغة الأرقام. ولم يعد البريد يأتينا ببطاقات بريدية أو رسائل حب، بل فقط بفواتير يجب دفعها في أقرب الآجال".
وقبله بعقد من الزمن، وتحديدا صيف 2005، وضمن لجنة الأسابيع الاجتماعية الفرنسية كانت لإدغار موران صرخة مدوية حين قال: "إنني على ثقة بأننا نواصل السير على طريق ستؤدي إلى الكارثة. الطريق التي يسمونها التنمية التي تردد "مرطبة" بكلمة مستدامة، تؤدي إلى تدهور المحيط الحيوي الذي لا غنى لنا عنه. فكوكب الأرض تسيره اليوم ثلاثة محركات جميعها خارجة عن السيطرة والإرشاد: العلم ينتج أروع الأشياء ولكن أيضا أسلحة الدمار والتلاعب؛ التكنولوجيا التي هي متناقضة في جوهرها؛ الاقتصاد المنذور حاليا للربح الذي لا يخضع لأي تنظيم من الهيئات العالمية. إن مصير البشرية على المحك اليوم".

من قال إن الشاعر والفيلسوف لا يلتقيان، لا بل يتوحدان في الفكرة ويختلفان في التعبير عنها فما قاله هؤلاء الرموز والأهرام في الفكر والثقافة عن مستقبل الإنسانية صاغه الشاعر العربي الفلسطيني الراحل محمود درويش في محاورة له مع المستقبل قائلا: "أيها المستقبل: لا تسألنا من أنتم؟ وماذا تريدون مني؟ فنحن أيضا لا نعرف!".

الأكثر قراءة