أم غانم
تلقت إيمان العبيدلي نبأ سعيدا يتجسد في حملها بتوأم. كانت سعادتها غامرة وعارمة وهائلة. يشعر بها أهلها وأحبتها والعالم بأسره. لكن سرعان ما استوطن الحزن أعماقها حينما أخبرها الطبيب أن أحد الطفلين مصاب بمتلازمة التراجع الذيلي التي يصاب بها واحد من بين 25 ألف ولادة، ويفتقد من يصاب بها للجزء السفلي من جسمه، فيبدو كربع إنسان. شكل الخبر صدمة كبيرة على الوالدين. كانا أمام خيارين إما الإجهاض، الذي نصح به الأطباء، أو الاحتفاظ بطفل قد لا يصمد طويلا في هذه الحياة. وإذا كتب الله له عمرا فستكون حياته قاسية وممضة. توكلت إيمان على الله واختارت الخيار الأصعب. احتفظت بالجنين. ولد التوأم أحمد وغانم في الخامس من مايو 2002. ولادة سهلة ويسيرة. آثر الأطباء ألا تشاهد الأم طفلها غانم حتى لا تصدم. فقد كان خاليا من الحوض والساقين. غض رقيق. محاصر بالأجهزة والأنابيب. عانقته والدته ببصرها بعد عدة أيام فانهارت باكية. ربت زوجها، محمد المفتاح، على روحها قائلا: "سأكون قدمه اليمنى وأنتِ قدمه اليسرى وربي سيكون معنا بإذن الله".
تقاعدت إيمان المعلمة المبدعة مبكرا لتتفرغ لطفلها. قاتلت ليدرس مع بقية الأطفال في المدارس التقليدية. تعلمت اللغة الإنجليزية وثقفت نفسها عن مرض ابنها لتهيئ المدارس نفسيا قبل هندسيا لاستقباله. مهدت له الطريق والفصول والحياة ليصمد ويبتسم.
هل كان الأمر سهلا يسيرا؟ لا. لقد كان شائكا عسيرا. واجهت إيمان تحديات جسيمة مع غانم. بات أقاربه ومحيطه يساعدونه بدافع الشفقة والخوف عليه. كل شيء يقومون به له نيابة عنه. كاد ينبت اتكاليا متقاعسا. إذ أصبح يرفض أن يقوم بشؤونه بنفسه. لم تقف الأم صامتة إزاء سلوك ابنها. تعاملت معه بحزم. لم تدلعه وتنفذ أوامره حتى بات فتى أكبر من سنه، مقداما وشجاعا ومستقلا. شاهدوا حلقة برنامج "يشبهك" على "يوتيوب" عنه بعنوان (سر غانم) وكيف يتكلم ويخوض التحديات برباطة جأش.
طوال يومين كاملين قضيتهما برفقة غانم لم أشاهده متضايقا قط. طوال الوقت كان مبتسما في مشهد طويل لا ينطفئ. سألته: ألا تحزن مثلنا. فأجاب: "أحزن، لكن كلما طرق الحزن بابي توضأت وصليت فشفيت". أثناء لقائي بغانم حان موعد صلاة المغرب، فصلى بِنَا وأطال السجود على نحو لم أشهده في حياتي من قبل. سألتُ والدته عن سجوده الطويل. فردت قائلة بأن غانم يستمتع بسجوده. فهو يدعو فيه الله بسخاء حتى يبكي ويرتاح.
غانم قصة بطل يواجه يوميا معاناته بابتسامة لا تذبل وإيمان يشعرنا بالضآلة. فهو يتزلج ويلعب الكرة ويسبح ويغوص ويتعلم لغات ويذاكر بجدية. فتحول من مصدر شفقة إلى مصدر إلهام.
أثبت غانم أن تدخل الوالدين المبكر بعد توفيق الله، يمنح حياة جديدة. لا تتخلوا عن أطفالكم مهما كانت ظروفهم. فربما تكونون وراء أمجاد منتظرة. إن النجاح لا يحتاج إلى أقدام، بل إلى إقدام و(إيمان) هذه الأم الملهمة والفريدة.