رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الأبعاد التنموية محليا لصندوق الاستثمارات العامة السعودي

تأخذ الأهمية القصوى بالنسبة للاقتصاد الوطني، في وجود صندوق سيادي سعودي يخطط لأن يتجاوز حجم استثماراته سقف 7.5 تريليون ريال (2 تريليون دولار) بحلول 2020، أؤكد أن تلك الأهمية تتعدد اتجاهاتها ومساراتها على أكثر من مستوى، حيث تتجاوز مجرد تنويع مصادر الدخل، ومجرد تعزيز العوائد البديلة من استثماراته للدخل المتذبذب من عوائد بيع النفط، وغيرها من الاعتبارات الأخرى وراء تأسيس هذا الصندوق الاستثماري العملاق.
إذ تكمن أهم أوجه الإيجابيات من الصندوق على المستوى المحلي للاقتصاد، أن إدارته ستركز نحو 50 في المائة من إجمالي استثماراته داخل الاقتصاد الوطني (أي نحو 3.8 تريليون ريال)، وهو ما يفوق حجم الاقتصاد الوطني في نهاية 2015 بأكثر من 1.5 مرة. يخطط لأن تتعدد اتجاهات ضخ تلك الاستثمارات الهائلة خلال نصف العقد القادم داخل الاقتصاد الوطني، في عديد من النشاطات الاقتصادية المحلية، سيكون لنشاطي الصناعة والخدمات النصيب الأوفر، التي تحت زيادة واتساع دائرتها سيتحقق للاقتصاد الوطني عديد من المكتسبات بالغة الأهمية، يأتي في مقدمتها عبر تأسيس مشاريع الأعمال، أو المشاركة في تأسيسها مع رؤوس الأموال الوطنية أو الأجنبية، أو حتى تعظيم حجم الاستثمارات في المشاريع القائمة اليوم، أنّها إضافةً إلى ما ستسهم بدورها في تعزيز القيمة المضافة للتشغيل والإنتاج محلياً، ستتيح فرصاً واعدة جداً للزيادة اللازمة على مستوى إيجاد فرص العمل الملائمة والمجدية أمام الباحثين والباحثات عنها، من المواطنين والمواطنات المؤهلين بالتعليم العالي والخبرة والمهارات العملية، والمساهمة من ثم في الحد من أشكال البطالة المرتفعة بلغة أرقام الفترة الراهنة، والمساعدة بصورةٍ ملموسة في توفير فرص العمل المجدية أمام شريحة ضخمة من العاطلين، التي يُشكّل حملة الشهادات الجامعية منهم نحو 50 في المائة، وتزداد أهمية هذا الجانب التنموي كلما نظرنا إلى المستقبل؛ ذلك أن التقديرات تشير إلى قدوم نحو 3.1 مليون طالب عمل من المواطنين والمواطنات من خريجي التعليم العالي والدبلوم والثانوي لسوق العمل المحلية خلال العقد المقبل، وهو ما يفوق كثيراً قدرة القطاع الخاص المحلي وفق بياناته الراهنة.
يتطلب حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني خلال الفترة الراهنة ومستقبلا؛ إدراك أنه لابد أن يتأهب لها بصورة تختلف تماما عما سبق له أن اعتاد عليه من سياسات وبرامج تنموية، وأن أحد أهم ركائز طريق تحوله وانتقاله إلى مستويات أعلى على مستوى الإنتاجية والكفاءة، التي سيعتمد عليها بدرجة أكبر من غيرها من بقية الركائز أنه يتمثل في الإنسان السعودي، الذي ارتفعت مؤهلاته العلمية والعملية بصورة ملفتة خلال العقدين الماضيين، الذي يقف في الوقت الراهن على كتلة مجتمعية مرتفعة التأهيل على مستوى كل من العلم والخبرة، وهو ما تؤكده الإحصاءات السكانية الأخيرة حتى نهاية 2015، التي بينت ارتفاع نسبة حملة الشهادة الجامعية فأكثر إلى نحو خمس إجمالي السكان من سن 15 فأكثر، وهي التي لم تكن تتجاوز نسبة 3.8 في المائة في نهاية 1992، مقابل الانخفاض الكبير في نسبة الأمية والقادرين على القراءة والكتابة فقط من 47.1 في المائة بنهاية 1992 إلى ما دون 11.0 في المائة بنهاية 2015.
وفي ضوء تلك الوتيرة من التحوّلات المجتمعية التي يمضي في غمارها المجتمع السعودي الفتي؛ يُقدّر وفقاً لمعدلات نموها الراهنة أن ترتفع نسبة حملة الشهادة الجامعية إلى أعلى من 27.8 في المائة بحلول عام 2024، وأن تنخفض في المقابل نسبة الأمية والقادرين على القراءة والكتابة فقط لما دون 2.3 في المائة.
إن مما لا شك فيه أن نسيجا مجتمعيا سريع التطور والتغير كما يشهده المجتمع السعودي في الوقت الراهن، وفي منظور الستقبل القريب، يمتلك الأهلية الكافية للتكيف سريعا مع التحولات المرتقبة المقبلة على الاقتصاد الوطني، والأهم من كل ذلك؛ أنه مؤهل بدرجة كافية ليتولى بدوره زمام المبادرة في الدفع بمقدرات الاقتصاد نحو الأمام، وأن يتولى أيضا مهام التغيير والتطوير وتحقيق التقدم اللازم لبلاده، يدفعه وراء كل ذلك النتائج الإيجابية المرتقبة لتحولات الاقتصاد الوطني كمحفزات سيكون هو أكبر الرابحين منها، في الوقت ذاته الذي تبيّن اشتراطات نجاح هذا التحول، واجتماعها حول أن لا مجال لتحقق تلك الغايات السامية إلا بتكاتف أفراد المجتمع السعودي، وتحملهم قبل أي طرف في معادلة التقدم المنشودة المسؤوليات والمهام والأعباء الأكبر على مستوى العمل والإنتاج والتغيير. من هذا المدخل الحيوي؛ يمكن القول عن ثقةٍ إنّه نقطة البداية لأي مشروعٍ تنموي مستقبلي، بما فيه هذا المشروع الوطني العملاق لتأسيس الصندوق الاستثماري الأكبر على مستوى العالم، وإنّه الركيزة (الإنسان السعودي) الأكثر جدارة بالاعتماد عليه بعد الله جلّت قدرته للبدء في مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية. تقوم أسس هذا المدخل الأكثر تفضيلاً هنا، على ضرورة اضطلاع أفراد المجتمع السعودي من نقطة البداية بالمشاركة وتحمّل مسؤولية رسم وتصميم خطوط عبور طريق التحوّل، مرورا بالتنفيذ وتحمّل واجبات الأداء الفعال والمنتج، نهاية بجني الثمار الإيجابية لمرحلة التحول، والوصول بمقدرات الاقتصاد الوطني إلى الأهداف الموضوعة، وهو الأمر الذي لا شك أنّه سيكفل كثيراً بلوغنا جميعاً نقطة النهاية، بمنهجية هي في الغالب الأدنى تكلفة، والأعلى عائدا، والأكثر مرونةً وتكيّفاً مع أي تقلبات قد تطرأ نتيجة التحول التنموي والاقتصادي المنشود. إن منح الثقة الكاملة في قدرة المجتمع السعودي كأفراد على قدر عال من الأهلية العلمية والعملية، كفيلٌ بدرجةٍ أقرب إلى الكمال وفق الظروف الراهنة؛ أن يتيح بين يديك الإجابة الكاملة والإيجابية على قدرة الاقتصاد السعودي على التقدم، والنجاح الكافي واللازم الكفيل بمضي خطة تحول الاقتصاد الوطني إلى الأهداف المنشودة على أعلى مستوى من الأداء بمشيئة الله تعالى، وهو ما يقوم العمل عليه في الوقت الراهن بحمد الله.
إن من الأهمية بمكان أن يتم إيضاح هذا الجانب الحيوي للجميع، وأنهم شركاء رئيسون في أي عملية تنموية للبلاد واقتصادها الوطني، وأنّهم أول الأطراف الرابحين لتحقق الأهداف المشروعة والمنشودة لأي مشاريع إصلاحية أو تطويرية.
سيكون في مقدور اقتصادنا الوطني تجاوز التحديات التي ترتبت على قصور عديد من السياسات الاقتصادية العتيقة، التي توزعت بين عديد من جوانب التنمية المستدامة كالتوظيف وتحسين مستوى الدخل، وتقليص فجوات التباين في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع، والحد من أشكال الاحتكار والتستر التجاري، وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتعزيز التنافسية في السوق المحلية، ومعالجة عديد من الأزمات كالإسكان، وسرعة تطوير البنى التحتية، والارتقاء بالرعاية الصحية، وتوسيع فوائد التنمية الشاملة والمستدامة لمختلف الشرائح السكانية، التي يتحمّل مسؤولية قصورها بالكامل الحلقات التنفيذية الوسيطة سواءً الأجهزة الحكومية التنفيذية أو منشآت القطاع الخاص المتعاقد معها، ويتفاقم حجم هذا القصور من تلك الأجهزة مع تعاظم حجم الإنفاق الحكومي الضخم، كونه لم يعكس السخاء الكبير الذي حظيت به من قبل الدولة، فلم يُترجم إلى منجزات تعالج ما تقدّم ذكره من آثار تنموية سلبية، بقدر ما أنها زادت بكل أسف عمق تلك التشوهات الهيكلية، وزادت الاعتماد والارتخاء على ساعد الإنفاق الحكومي المباشر وغير المباشر (الإعانات، القروض الميسرة من صناديق التنمية).
بناءً على كل ما تقدّم التأكيد عليه؛ لا يُخشى على الاقتصاد والمجتمع على حدٍّ سواء أي احتمالات للتأخر أو التعثر، بل إنّه يمكن القول إن هذه الركيزة للعمل والإصلاح والتطوّر القائمة نشاطاتها في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب، ستكفل بإذن الله تعالى مراحل ناجحة من الانتقال السلس على الطريق الطويل للتحوّل والتقدم، بغض النظر عن نوع وماهية تلك التحديات التنموية الراهنة، أو حتى تلك المحتملة في المستقبل، وهو الركيزة الرئيسة التي التزمت بها عديد من البلدان حول العالم، التي أخضعت اقتصاداتها ومجتمعاتها للإصلاح والتحوّل، فيما احتلت بقية الركائز الأخرى مواقع مختلفة حسب تجربة كل بلدٍ من تلك البلدان، ووفقاً للموارد والمقدرات التي توافرت لديها.
للوصول لكل تلك الغايات والطموحات المشروعة؛ لا شك أن اقتصادنا بحاجة أكبر إلى إرساء النزاهة والتنافسية ومحاربة كل من الفساد والاحتكار بكل أشكالهما، وتوفير الدعم للشرائح الفتية من السكان، وتحفيز الثروات والموارد التي أنعم الله بها على بلادنا للاستثمار والإنتاج والتشغيل، عوضاً عن تكديسها في مجرد أراضٍ بيضاء كمخزناتٍ قيمة، وعوضاً عن مجرد تدويرها في مضارباتٍ بحتة، لا أثر لكلٍ منهما سوى إلحاق أشد الأضرار بالتنمية والاقتصاد والمجتمع على حدٍ سواء، في الوقت الذي تتسبب فيه من حرمان اقتصادنا ومجتمعنا من عوائد قيمها المضافة، وحجب آثارها الإيجابية عن التحقق على المستويات التنموية كافّة. لعل من أهم تلك الآثار التي غيّبتها أشكال الاحتكار والمضاربات، وخلفهما تفشّي أشكال الفساد والتستر، حرمان الاقتصاد من حسن استغلال الفرص الاستثمارية الواعدة والتنافسية، والتسبب في إضعاف قدرته على إيجاد فرص العمل الكريمة والملائمة للشباب والفتيات، والتسبب أيضاً في إبقاء الاقتصاد الوطني رهيناً للاعتماد المفرط على النفط، بمعنى إبقائه اقتصاداً ريعيا أكثر وحرمانه من التطور والتحوّل إلى اقتصادٍ أكثر اعتمادا على قاعدة إنتاجية متنوعة ذات كفاءة أفضل، الذي يعني أيضاً استمرار حياة التشوهات التنموية الناتجة عن وجود مثل هذا الشكل من أشكال الاقتصاد الريعي؛ كالتباين الكبير في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع وشرائحه، وضعف إيجاد الوظائف وفرص العمل، إضافةً إلى منع الاقتصاد والمجتمع بدرجةٍ أكبر من الاستقلالية والتنوع والنمو المستدام والشامل.
ختاما؛ يجب أن نوسع نظرتنا تجاه صندوق الاستثمارات العامة بتوجهاته الجديدة، لتكون أكثر شمولية، وهي في الحقيقة تنطلق من بعدين رئيسين بالغي الأهمية؛ البعد الأول: أنه مشروع سيكون ضمن حزمة كبرى من المشاريع الوطنية المستقبلية المقبلة، التي تستهدف تطوير مسارات الاقتصاد الوطني، والنهوض به من وضعه الراهن إلى وضعٍ أفضل وأكثر تنافسية وإنتاجية.
البعد الثاني: أنّ العمل على تنفيذه سيكون جزءا من تنفيذ رؤية استراتيجية شاملة، تستهدف خدمة الاقتصاد الوطني والمجتمع على حدٍّ سواء، وليس مجرد عملية منفردة مفصولة عن الاقتصاد والتنمية، وهو مشروع وطني تقع وتنتمي صفحاته إلى صفحات مشاريع وطنية كبرى، تصطف طموحات ورؤى تحقيقها على أرض الواقع أمام نخبة من قيادات وطنية شابة، يترأسها أمير شاب طموح ممثلا في الأمير محمد بن سلمان، نسأل الله جميعاً لهم ولكل أبناء هذه البلاد الخيرة كل التوفيق والتقدم والنجاح. والله ولي التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي