شرط الإصلاح .. الفصل بين ثقافتي المشافهة والكتابة
يقدم محمد الحداد في كتابه "ديانة الضمير الفردي ومصير الإسلام في العصر الحديث" قراءة نقدية في خرائط النص الإصلاحي العربي، باعتماد مقترب منهجي تتداخل فيه مكتسبات الحداثة الأوروبية وتحولاتها المشهودة في مجال المناهج العلمية؛ التأويليات والحفريات والفيلولوجيات والنقد التاريخي ... وغيرها، ما أفضى إلى بروز مناطق خصبة للتفكير والتأمل، وحتى وإعادة قراءة الخطاب الإصلاحي العربي المعاصر بمقولات الإضمار والنفي واللامفكر فيه والاستشهاد والذاتية... وفق "فكر متشعب" كما يقول إدغار موران.
وكأننا بهذا الإصلاحي التونسي يتنبأ بمقدم فقهاء وأئمة "داعش" وأخواتها عند قوله: "سيكون التدين مستقبلا أحد العناصر الأساسية للانقسام الحاد الذي سوف يشهده العالم، وهذا يؤكد خطورة أن يظل الدين في أيدي الأصوليات المختلفة، أو نطمئن للنظرية العلمانية التقليدية ذات النزعة الاستئصالية التي ما فتئت تبشر بنهاية الطور الديني للبشرية، وأصحابها هم إلى الاندثار أقرب". ما يستدعي إيلاء العناية بالشأن الديني، إذ لا ينبغي علينا ترك هذا الموضوع الأكثر حساسية في المجتمع بين أيدي سفلة المجتمع علما ومعرفة من الوعاظ والدعاة الجهال.
يؤطر هذا "النهضوي الجديد" أطروحة الرئيسة في الكتاب بعناصر أن القفز عليها أو تجاوزها مانع لا محال من تحقيق إصلاح ديني حقيقي، كما يتطلبه الواقع ونتغياه نحن على حد سواء.
أول هذه المقومات التمييز بين الأقانيم الثلاثة المشكلة للإصلاح للديني، فهو يميز ويفصل بوضوح بين ثلاث مسائل هي: المقاربة العلمية للظاهرة الدينية والاجتهاد والإصلاح الديني، فالمقاربة العملية تغير التصورات السائدة، وتفتح المجال لتصورات جديدة أكثر موضوعية، لكنها ليست اجتهادا دينيا ولا تجربة روحانية، لأن الاجتهاد هو اختيار المجموعة المنتمية لهذا الدين، بينما تكون الظاهرة الدينية خاضعة لمبدأ الاختصاص العلمي دون الانتماء الديني، فالاجتهاد مرتبط بالفتوى لا بالطرح الفكري وهما خطابان مختلفان كليا.
أما ثالث العناصر أي الإصلاح الديني فيحدده محمد الحداد بإعادة ترتيب جماعية للعلاقة بين المتخيل الديني والمتخيل الاجتماعي في الخبرات المعيشية لمجموعات بشرية ذات تنظيم اجتماعي وثقافي معقد. فلا تطرح قضية الإصلاح في المجتمعات التي لم تشهد انفصالا واضحا بين ثقافة المشافهة وثقافة المكتوب، ولا في المجتمعات التي لم يتميز فيها شكل واضح للدولة مستقل نسبيا عن التنظيمات الاجتماعية الأولية مثل الأسرة والقبيلة.
على امتداد الفصول الأربعة المكونة للكتاب (حفريات في التقبل، عودا على مجادلة 1903، الذاكرة والكتابة والإصلاح الديني: الإسلام دين دون قساوسة ولا مصلحين، معالم نظرية جامعة)، حضرت تلك العناصر كإطار مرجعي طوال البحث. بل لا يتردد الرجل في التأكيد على إلزامية استحضار تلكم العناصر والتفكير فيها، سواء في التجربة الإسلامية والتجارب الأخرى، من أجل الإسهام في نحت أفق إنساني قوامه الانفتاح على الآخر وإقرار بالتعددية والاختلاف والتنوع. تعددية وتنوع عائده المركزي إيمان حقيقي بديانة الضمير الفردي.