لا مفر .. أوروبا مضطرة لأن ترى ما لا تريد رؤيته

لا مفر .. أوروبا مضطرة لأن ترى ما لا تريد رؤيته

مرة أخرى يضرب التطرف دولة أوروبية، هذه المرة اختار العاصمة البلجيكية بروكسل، لِما لها من إشارات ودلالات عند الأوروبيين. نعم، فاستهداف بروكسل "العاصمة الإدارية" للاتحاد الأوروبي، حيث يقع المقر المركزي لتجمع منطقة اليورو، يرسل إلى بقية الدول الأعضاء أكثر من رسالة تُفيد بأن كل دول الاتحاد أضحت في مرمى أهداف المتطرفين.
أيقظت واقعة الثلاثاء الماضي في الذهن الأوروبي أحداث باريس الأخيرة، وما قبلها من متوالية أحداث عنف هزت قلب عديد من العواصم الأوروبية "مدريد، لندن..." منذ بداية الألفية الثالثة. وعاد معها سؤال القدرة الأمنية والكفاءة الاستخباراتية والأمن القومي الأوروبي... وما إلى ذلك من الشعارات الرنَّانة التي صدقها الأوروبيون حد اليقين المطلق. بل إن معادلة التوافق القائمة ضمنيا بينهم وبين ساستهم، التي تلخص عبارة "نُوفر لكم الأمن والعيش ولا تسألوا عما دون ذلك" (السياسية الخارجية، الدفاع،...) أضحت في مهب الريح أو على الأقل موضع محاصرة بالأسئلة بعد توالي الأحداث.
فحسب تقرير نشرته جريدة النيويورك تايمز الأمريكية الأسبوع الماضي، عرفت الفترة الممتدة ما بين شهري أيلول (سبتمر) 2014 وآذار (مارس) 2016 ما مجموعه 87 هجوما مسلحا، نُسبت إلى تنظيم "داعش" أو وكلائها المحليين في الدول التي كانت مسرحا للأحداث. وجاء توزيع هذه الهجمات جغرافيا بمجموع 22 هجوما في أوروبا وستة اعتداءات في أمريكا الشمالية واثنين في أستراليا، والبقية أي 57 عملا عدوانيا كان من نصيب "التنظيم".
تؤكد هذه الأرقام بشكل قطعي حقيقة واحدة، مفادها أن الجميع بات مهددا بلهيب حرائق العنف وألسنة نيرانه التي امتدت على طول الأركان الأربعة للعالم. فالقاعدة البراجماتية القديمة القائمة على تحصين الحدود الجغرافية، والحرص على أمن واستقرار دول الجوار "دول الحدود" كفيل بضمان السلام والأمن داخل الدولة صارت في خبر كان وجزءا من مقررات كتب التاريخ.
ما يعني أن المؤتمَنِين على صناعة القرار السياسي - في الغرب عموما وأوروبا على وجه الخصوص - مدعوُون إلى إعادة النظر في سياساتهم الخرقاء تجاه بقية دول العالم؛ وبالدرجة الأولى الدول العربية والإسلامية. فالظاهر أن دور وموقع الدولة الاستعمارية، الذي كانت دول أوروبا تلعبه، الموكول إليها نشر "الحضارة" و"التمدن" في الشرق وفي بقية العالم مقابل استغلال خيرات ونهب ثروات تلك البلدان، ما زال يحكم علاقات القرن الحادي والعشرين، على الرغم من مرور زهاء نصف قرن على حقبة الاستعمار.
كتب آخر المستشرقين الفرنسيين مكسيم رودنسون "1915– 2004" يقول "إن الغرب لم يرَ في الشرق الإسلامي إلا ما كان يُريد رؤيته". مع قليل من التعديل والتغيير نقول نحن اليوم "إن الغرب لم يسمع من الشرق الإسلامي إلا ما كان يريد سماعه"، أي أنه يرغب في سماع الإدانة والتنديد والاستنكار لما يقع في الغرب دون تذكِيره بأن سياساته العدوانية ودعمه الظاهر والمُضمَر للمستبدين، وتواطؤه معه قمع الشعوب العربية ومُصادرة حرياتها، والسعي إلى إدامة حرب الاستنزاف في ربوع الإقليم العربي، وغض الطرف عن الحروب والصراعات وهي تتمدد ملتهمة أجزاء من هذه الأوطان بما يبيعه من أحدث منتجاته في الأسلحة... هي أهم الأسباب في كل ما لحق بالغرب ويلحقه الآن وربما مستقبلا.
لستُ هنا في موقع التشفي ومُناصرة ما جرى من أعمال عنف، فإزهاق روح بشرية واحدة مرفوض ومدان في كل الشرائع سماوية كانت أو غير سماوية، وفي كل الفلسفات والمذاهب على مر التاريخ. لكن لا يجب أن نغفل أو نتغافل عن ازدواجية المعايير المعتمدة في التضامن وإدانة العنف الذي يقع هنا أو هناك، فالملاحظ أن المنطق الذي يسُود قوامُه تقسيم الأفراد إلى إنسان من الدرجة الأولى "مواطني الغرب" وإنسان من الدرجة الثانية "باقي الأعراق".
عودا إلى النخبة السياسية الأوروبية، وتعاطيها مع المتغيرات الجيوسراتيجية في المنطقة العربية، وتحديدا حوض الأبيض المتوسط مدار جُل أحداث "الربيع العربي"، الذي كان بنفس المنطق الاستعماري القديم المستند إلى الوصاية والذود عن المصالح الذاتية مع الطغاة والمستبدين دون أدنى اهتمام بشعوب المنطقة، وتطلُعاتها إلى اجتراح مسارات جديدة في بلدانها؛ مسارات تَقطع مع دابر الاستبداد والقمع والظلم الممارس عليها ردحا من الزمن من قبل هذه الديكتاتوريات.
وقد انفضح الأمر أكثر بعد اعتداءات باريس حين انبرى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أمام الملأ، وهو يُردد لازِمة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عقِب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001. فقد تحدث هولاند عن استهداف تنظيم "داعش" فرنسا لأنها "دولة حرة"، وقال بالحرف "إنهم لم يُهاجمونا بسبب ما نفعلُه، بل بسبب مَن نحن". وفي هذا تزييف كبير للحقائق وتغليط للرأي العام، وانتقائية فجة في التعاطي مع الموضوع وتحليل عناصره.
فلا يمكن لأي عاقل أن يقرأ ما يجري في أوروبا عموما من أعمال عدائية وعنف متزايد دون ربطه بمواقف هذه الأخيرة من قضايا العالمين العربي والإسلامي، ومواقفها من نتائج الحراك العربي الذي تحركت فيه وفق أجندتها الخاصة بالدرجة الأولى. أكثر من ذلك، لم تتردد في توجيه دفة الأحداث في بعض البلدان خدمة لمصالحها، ووحده التاريخ كفيل بفضح المستور من خبايا ودسائس أوروبا.
قد نبدو في نظر البعض متحاملين على أروربا، وهنا لا بأس من لفت الانتباه إلى أن السنوات التي عرفت أوج ثورات العرب "2011 و2012" حيث انهارت أنظمة بأكملها، وفي ظل "غياب لسلطة الدولة" أحيانا لم تعرف أي دولة أوروبية اعتداءات من هذا القبيل. زيادة على هذا لوحِظ كمُونٌ في أنشطة الحركات العنفية "القاعدة وأخواتها" وجنح الجميع للسلمية والتظاهر الراقي التي بات العالم كله على موعد معه عقب كل جمعة في ميادين العواصم العربية.
على الغربيين إذن ساسة ومواطنين على حد سواء، أن يعُوا جيدا أن تجفيف منابع العنف وإطفاء مصادر الحرائق المشتعلة في أكثر من قطر عربي، أمر يحتاج إلى إرادة سياسية قوية في الغرب قبل الشرق. فسياسة اللا موقف أو الحياد السلبي أو بالتعبير الدارج لغة الخشب في السياسة الدولية، لم تعد مقبولة في ظل عولمة التطرف.
وأن الاستعدادات الأمنية والاستخباراتية الداخلية في هذا البلد أو ذلك مهما بلغت من التطور لن تكون قادرة على معالجة ظاهرة العنف، ما دامت السياسة الخارجية عندهم قائمة على عسكرة المنطقة وإشعال الحروب فيها، ومد ألسنة الحرائق بالأسلحة والعتاد لمزيد من الالتهاب.
ومن لديهم أدنى شك في هذا ما عليهم إلا أن يُراجعوا ما كتبه المؤرخ الفرنسي الكبير - سنا ومعرفة - ورائد مدرسة الحوليات فرناند بروديل "1902-1985" عن حضارات وشعوب حوض البحر الأبيض المتوسط ووشائجها المترابطة كي يستوعب جيدا ما يجري اليوم في واقع الجغرافيا السياسية، من خلال دروس التاريخ.

الأكثر قراءة