التماهي المذل .. أبواق «حزب الله» أول المفلسين بعد محاصرته ماليا

التماهي المذل .. أبواق «حزب الله» أول المفلسين بعد محاصرته ماليا
التماهي المذل .. أبواق «حزب الله» أول المفلسين بعد محاصرته ماليا

لطالما عرفت الصحافة اللبنانية بريادتها وأسبقيتها عربيا، خصوصا مطلع الستينيات مع أفول وهج الصحافة المصرية التي انشغلت آنذاك بالترويج لمشاريع التأميم والاشتراكية القومية وغيرها من الشعارات. وجريدة "السفير" التي أعلن ناشرها ورئيس تحريرها إغلاقها بنهاية شهر آذار (مارس) الجاري ولدت منتصف السبعينيات في عز هذا الوهج الصحافي والتعدد الثقافي الذي كان يعيشه لبنان.

لكن "السفير" كغيرها من الصحف والقنوات التي استسلمت لإغراء المال وسلطة السياسي المسلح. اتخذت في أعوامها الأخيرة خطا مختلفا وفاقعا في تضليله وسقطاته. وفي موالاته لنظام الأسد ولحزب نصر الله، الأمر الذي جعلها تطل على قرائها ذات صباح بعنوان شهير ومشين: "عاصفة السوخوي" فور إعلان النظام السوري بدء القصف الروسي. كما تمادت في اختلاق الأكاذيب تجاه الجيران والأصدقاء إرضاء لنزوات الممول الحالي أو حتى المحتمل.

ورغم هذا التماهي المذل مع مشروع حزب الله وجرائم نظام الأسد إلا أنه لم يشفع لها أولوية العطاء. في درس مهين بالنسبة لـ"السفير"، إذ كلفها الكثير بعد محاصرة أموال حزب الله المشبوهة من قبل كثير من الدول لينتهي بها الأمر إلى قرار الإغلاق. ولكن لعله درس مفيد بالنسبة للآخرين.
#2#
أما تصوير هذا التحول المفاجئ بوصفه أزمة إعلام مقروء أمام آخر إلكتروني. وترحيل الأزمة باعتبارها نتيجة حتمية لضعف مردود الإعلان. فلا يعدو أن يكون محاولة للخروج بأقل الخسائر الشكلية بعد أن منيت الصحيفة بكثير من الخسائر الجوهرية في عمقيها، المادي والمعنوي، إثر تخليها عن كثير من مبادئها التي عرفت بها في يوم من الأيام، وفقا لمتابعين.
الإعلام اللبناني بالعموم كان ولا يزال أول وأكثر المتضررين من هذا الاستقطاب السياسي على أرض الواقع. ومع ذلك كان بخبرة صحفييه المخضرمين يتجاوز غالبا هذه المطبات السياسية بكثير من الحرفية والمهنية العالية. إلا أنه أخيرا وبعد فقدانه كثيرا من القامات الإعلامية المقدرة عربيا، إما بالوفاة وإما بالتهميش. رضخ لكثير من الاختراقات الحزبية المدفوعة من قبل أنصار حزب الله ونظام الأسد. ليهيمن على المشهد الإعلامي اللبناني أسماء وقنوات لم يكن لها أن تتصدر لولا هذه الأموال. أما وقد تراجع الدعم وحوصر المال فكانت النتيجة الطبيعية والمهنية استحالة استمرار التعاقد المشبوه من جهة، واستمرار التبرير لجرائم النظام وأتباعه من جهة أخرى.

"المال السياسي" وعلاقته بالصحافة قصة طويلة ومفهومة في إطار لعبة سياسية وانتخابية أكبر. إذ إنها لا تخلو من تداخلات مباشرة وأخرى غير مباشرة. محكومة بالراهن القريب حينا، وبالمدى البعيد حينا آخر. لكن "المال الإرهابي" أمر مختلف تماما ولا يليق بعمل صحافي محكوم بالمصداقية والتعاطي مباشرة مع قضايا إنسانية يومية.

وهذا ما أغفلته صحف وقنوات إعلامية لبنانية أفرغت صفحاتها من المحتوى الرصين لتملأه بمحتوى تبريري وتمجيدي يتسول شعارات "عروبية" مكرورة لم تعد تليق بأصحابها، فضلا عن مواقفهم المتماهية شكلا ومضمونا مع أجندات عرقية فارسية أو طائفية شيعية تبحث عن دور أكبر في المنطقة عبر عملائها المعروفين تارة، أو عبر شراء الذمم المستأجرة تارة أخرى.

صحافة لبنان جزء من واقعه الاجتماعي والسياسي المنقسم، وهذا الواقع لم تنكره "السفير" ذاتها على لسان رئيس تحريرها وهي تحزم حقائب المغادرة مبكرا في الأربعينيات من عمرها. في رسالة ضمنية ورمزية تشي بكثير من الضغوط والصراعات السياسية دون أن تعترف بذلك صراحة.

يبقى أن صحافة لبنان كما ثقافتها، وكل معطياتها التاريخية المتنوعة والمتعددة بتعدد أطيافها. التي حرص "اتفاق الطائف" في الماضي، بمتابعة الراحل سعود الفيصل ورؤية الملك فهد - يرحمهما الله – العمل على ترسيخها والحفاظ عليها. هي الخاسر الأول والأخير من هذا الرهان ضيق الأفق، سياسيا واجتماعيا، الذي يخترق لبنان من كل جهة وعلى كل صعيد إرضاء لنزوات نظام الأسد، وتغلغل ملالي طهران في المنطقة.

الأكثر قراءة