«فقاعتا» العقار والأخلاق .. دراما واقعية تطرحها «هوليوود» لأول مرة

«فقاعتا» العقار والأخلاق .. دراما واقعية تطرحها «هوليوود» لأول مرة
«فقاعتا» العقار والأخلاق .. دراما واقعية تطرحها «هوليوود» لأول مرة

بعيدا عن النظرة النمطية للأفلام الهوليوودية التي تحمل روح الإثارة وتستأثر بإقبال جماهيري أعظم بميزانيتها الضخمة ومؤثراتها البصرية البديعة، يظهر في الآونة الأخيرة توجه مختلف أقرب للأفلام الأمريكية المستقلة أو الأفلام الأوروبية، إذ يظهر منحى أكثر عمقاً والتفاتاً نحو الأفلام الدرامية الأقرب للوثائقية أو المستوحاة من قصص واقعية. يبرز ذلك من فيلمين أمريكيين تم إخراجهما في عام 2015، وترشحا وحصدا جوائز للأوسكار، وهما "بقعة ضوء" و"ذا بيج شورت". وعلى الرغم من تفاوت فكرة الموضوعين في أول وهلة، إلا أنهما معاً يحملان خصائص قد تظهر توجهاً جديداً أكثر جديّة للأفلام الأمريكية.

انهيار الأخلاق

"إنه من المحظوظين، لا يزال على قيد الحياة." عبارة ذكرها أحد المتعاطفين مع أحد ضحايا اعتداءات الكنيسة في فيلم بقعة ضوء، الذي أخرجه الأمريكي توم مكارثي، والمقتبس من قصة حقيقية لفريق عمل صحيفة ذا بوسطن جلوب، قاموا بتحدي المجتمع التقليدي والكشف عن انتهاكات الكنيسة الكاثوليكية للأطفال وتستر مؤسسات قانونية على تفاصيل عديدة كان من الممكن أن تسهم في إيقاف الاعتداءات أو معاقبة المتورطين. وقد حازت الصحيفة الفعلية في عام 2003 جائزة البوليتزر بسبب تلك التحقيقات. الفيلم وإن كان أقرب للوثائقي إلا أنه اتخذ منحى درامياً بطاقم من الممثلين المتميزين، أبرزهم المخضرم مايكل كيتون الذي انفرد في العام الماضي بدوره المتعمق في الأزمة النفسية لبطل اندحرت نجوميته في فيلم الرجل الطائر، إضافة إلى عدد ممثلين لامعين كمارك روفالو ورايتشل ماك آدمز.

#2#

قضية بقعة ضوء تلامس بأسلوب تشويقي أساليب الصحافة الاستقصائية لأقدم فريق محترف لهذه الصحافة في الولايات المتحدة في صحيفة البوسطن جلوب. يكشف الفيلم الجانب الإنساني وعقدا نفسية دفينة لمن كبر ولا يزال يحمل رواسب تلك الإساءات التي شكلت نفسية هشة حتى الكبر. يقود التحقيق الاستقصائي للكشف عن أعداد كبيرة لم يتوقع وصول الاعتداءات إليها وتورط عدد كبير من القسيسين والمتسترين عنهم. يكشف الفيلم النفاق الاجتماعي وادّعاء المثالية وإخفاء قضايا بهدف الحفاظ على رهبة وتقديس أشخاص يمثلون المؤسسة الدينية، وإن كان ذلك يؤدي إلى احتمال تعرّض أطفال أبرياء للإساءة. وما يضفي إيحاء حقيقياً للمحيط والمكان هو اختيار التصوير في المكاتب الفعلية لصحيفة ذا بوسطن جلوب والمكتبة العامة في بوسطن. وقد حاز فيلم بقعة ضوء جائزة الأوسكار لأفضل صورة وأفضل سيناريو.

انفجار الفقاعة

"أتعلم ما الذي قمت به للتو؟ لقد راهنت ضد الاقتصاد الأمريكي". من جهة أخرى تستقي هذه العبارة تلك الأزمة التي يمر بها أشخاص يعانون محاولة استنتاج وتخمين في قضية تهم الشعب الأمريكي ككل في الفيلم الدرامي "ذا بيج شورت"، المقتبس من كتاب مايكل لويس بذات الاسم الذي نشر في عام 2010. الفيلم تميز بتصوير واقعي أشبه بالوثائقي، ويتطرق إلى انهيار سوق المال في أمريكا ما بين عامي 2007 و2008، والفقاعة العقارية التي انهارت فيما بعد بشكل مفاجئ. تظهر ثياب الممثلين ونوعية سياراتهم وتصاميم المكاتب وكأنها تجسيد لحقبة التسعينيات بعيداً عن الألفية الجديدة.

يبتعد المخرج الأريكي آدم مكاي في فيلمه الأخير عن نمطية أفلامه الأقرب إلى الكوميديا بعيداً عن الجدية الدرامية العميقة، وتظهر لديه قدرة حقيقية لإخراج فيلم ذي حبكة قوية وأداء متين. وإن اختار في فيلمه ذا بيج شورت أيضاً ممثله المعتاد في الأفلام الكوميدية ستيف كوريل كأحد الممثلين، أضف إليه طاقماً متميزاً من الممثلين بدءا بكريستيان بيل وبراد بيت ورايان جوزلينج. أبدع هذا الطاقم في مناقشة الفقاعة الاقتصادية بأسلوب يبسط الأفكار المعقدة، ويظهر القصة من منظور محللين اقتصاديين يحاولون معاكسة التيار وإثبات نظريات تبدو كأنها شبه مستحيلة في فترة كان يعد فيها من يشكك في متانة الاقتصاد الأمريكي يعد مختلاً عقلياً. وقد حاز فيلم ذا بيج شورت جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مقتبس.

يظهر في كل من الفيلمين بقعة ضوء وذا بيج شورت استخدام طاقم كبير من الممثلين، ففي الفيلم الأول يصل عدد الممثلين 18 ممثلا، ستة منهم قاموا بدور البطولة، بينما يصل في فيلم ذا بيج شورت إلى 23 ممثلا في فيلم ذا بيج شورت. كما يظهر اعتماد على الأسماء اللامعة المتعددة لدعم الفيلم وإعطاء الإحساس بالواقعية وكأنه فيلم وثائقي ينقل القصة من الأشخاص الفعليين وليس تمثيلاً.

كما يظهر في كل من الفيلمين اهتمام بالتفاصيل لكل قصة تحكى، وقد يكون ذلك هو السبب في احتياج عدد كبير من الممثلين إلى مساندة تلك الأعمال الدرامية، أضف إلى ذلك نوعية المواضيع التي تعد شائكة من انتهاكات الكنيسة وانهيار الاقتصاد الأمريكي، فكلاهما استخدما نوعاً من التحقيق الاستقصائي للكشف عن حقائق. الفيلمان يناقشان مؤسسات من الصعب توقع عدم تماسكها أو وجود ثغرات فيها، فما بين أشخاص يستحيل تقبلهم انتقاد قدسية القسيسين إلى سوق مالية عتيدة يقوم عليها الاقتصاد الأمريكي، وحتى ذلك الوقت كان يتوقع أن يظل قوياً دون حدوث انهيار.

الأكثر قراءة