«نوميديا» .. قمة لا تفضي إلا إلى هاوية سحيقة
"كانت تلك الليلة خطأ فادحا، لم أكن أملك حياله سوى التمادي فيه إلى منتهاه. ذلك يلخص حياة مراد الوعل، الشخصية المحورية لرواية "نوميديا" للروائي المغربي طارق بكاري، والتي نشرت في عام 2015 عن دار الآداب، واختيرت من ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية. مراد الوعل الذي يمضي بين صفحات الرواية في رحلة استكشافية في أعماقه وفي تضاريس موطنه إذ يعود إلى مقره في إغرم حيث منازلها متشابهة تماما كسكانها، وحيث يرتبط بها بعلاقة شائكة متناقضة تكشف عن عقد نفسية خامدة تقوده إلى مرحلة انهيار.
يبوح في مستهل الرواية "كنت أعلم أنني أقترف بعودتي المجنونة إلى هذه القرية خطأ فادحا. وأن هذه العودة لا بد أن تحرّك بسخط كل ذكرياتي الراسبة. أعود إلى إغرم مضرجا بأوجاع جديدة".
العلاقة بالمكان
"بعض الأمكنة تحتفظ بنا على الرغم من أننا هجرناها". تشكّل علاقة مراد بالمكان علاقة شائكة، فبدايات إحباطاته وخيبة ظنه من والدين لفظاه كلقيط، وذلك تسبب باعتلاله النفسي إثر تراكمات نفسية وترسبات دفعته لأن يوصف بالملعون كذلك. يحمل اسما سابقا قام بتغييره، فأوداد هو مسخ مراد الذي يحاول الخروج من عباءته لتتفتق كل الذكريات بسبب عودته إلى بلدته. فهو ذاته اللقيط الذي تحل اللعنة بكل من يخالطه في القرية وتتالى المصائب فيها بعد وجوده. ولأنه صدّق ما قيل عنه، فهو لا يستطيع نسيان التفاصيل مرعبة كجلدة الجدة المسلوقة التي التصقت بأياديهم التصاقا مرضيا بسبب لعنته.
"باختصار، في المدينة كنت على موعد مع أوجاع أخرى..." ذلك المكان الذي تربطه به علاقة حب وكره، تزيد من عقده النفسية الناتجة عن الماضي وتجعله يدرك إحساسه بكونه دخيل وغريب عن الآخرين. "أدركت أنني لم أكن يوما من هناك، وأنني وإن كبرت فيها لم أكن جزءا منها، كنت دخيلا، أو هكذا أرادتني".
"الأمكنة الجميلة التي تسكننا لا تشيخ ولا تحز بها يد الزمان اليابسة، على الأقل في أعين من ابتلوا بعشقها، تظل شابّة.." يظهر تناقض في انطباعات مراد، لتغدو خليطا بين الإطراء والذم لتلك المدينة التي تتسبب بانهياره، ليمعن فيما بعد في انتقاد المدينة ولومها وتقريعها، ووصفها بالمدينة الآسنة التي تنهى عن أمور في النهار لتغرق فيها حتى أذنيها ليلا! وفيما يظهر إسهاب في وصف الانطباعات حول المدينة، يختفي ذلك ويلتفت الروائي إلى الشخوص.
انسيابية الزمن
"لو أن للماضي بابا فأسدّه وأرتاح". ترتبط رغبة مراد في هجر مدينته برغبته في نسيان الماضي وما تسبب له من جراح. الأمر الذي يجعله يحاول إيجاد مسكنات مؤقتة، كوصفه تمضيته الوقت مع جوليا "أيقظتني ولو بشكل مؤقت من وجع استيقظ بسرعة." ليظهر كل ذلك حالة من عدم التصالح مع الماضي. ووجود التباس في مفهوم الوقت لديه، ما بين شعور بمضيه السريع، كقوله: "ولأنه كبر قبل الأوان، كان لزاما أن يشيخ قبل الأوان كذلك". وما بين شعور بتوقف الزمان مما يشعره بالحيرة، حيت تتضافر عليه تخيلات تمازج ما بين الحاضر والماضي إضافة إلى تخيلات لا واقع لها. على أية حال كل ما يشعر به فيما يخص الزمن يتلخص في التالي: "لا أدري إن كان الزمن يتقدم للأمام أم يتراجع للوراء كي يقوى على التقدّم".
لغة الجسد
"قررت بشكل جدي الحياة والموت حبّا". بعد مرحلة وصف المدينة التي كان يقطنها من قبل، ينحدر الحديث إلى مناقشة الشخصيات النسوية التي احتلت حياته، إذ يتنقل بعبثية محضة بين أربع نساء، أولاهما خولة التي يتفرد بمناجاتها في أرجاء الحبكة الروائية، ويعطي لنفسه الحق في الإمعان بالشعور بالذنب لما حدث لها وجلد الذات. ومن ثم نضال رفيقة زمن الانتماء لليسار، والأوروبية جوليا التي تحاول الحفر في آلامه لتحصل على إلهام من أجل عمل روائي عظيم يدور في فلك معاناته، إضافة إلى نوميديا، الملكة الأمازيغية التي تسببت بولع ووجع آخر لن يغادره إلا عندما تعود، قد تكون وهما أو رغبة في حيازة الحب الذي مضى دون أن ينجح في إحدى قصصه. وكأن مراد يعيش دون هدف باستثناء الحب والحاجة إليه. هذه الحاجة التي ستغدو فيما بعد أفيونا لا بد منه. ليتماشى ذلك كما وصف في الرواية قول لامارتين: "نعشق الحياة من خلال من نحب." ليتطور الحب لديه إلى مرحلة مرضية تدفعه لأن يصاب بهوس بالحب الغابر بخولة وربطه بتفاصيل دقيقة كحاسة الشم التي تجبره على تذكّرها. "لماذا أخلفت حتى في حاسة شمي ارتباطا موجعا بك؟" بل تجعله يصف الحال التي أصيب بها طول الوقت بعد فقدانها: "أشمّك في عناق الأخريات... كأنك ما رحلت.. تركت العطر، عطرك في حياتي". بعد كل ذلك ترتبط كل تفاصيل حياته بتلك اللعنة التي وصف بها. "هل هناك لعنة أكبر من أن يولد المرء حافي القلب". يصف مراد نفسه بامتلاكه جسدا مطرّزا بالحزن، فعلاقاته مهددة بالفشل الدائم، بداية بخولة التي قتلت كل أمانيه بإنهائها الحياة جذريا، فيما تأتي علاقته بزميلة مقعد الدراسة نضال ومشاطرة توجهاتهم السياسية اليسارية التي أخفقت باحتوائهم. تناقض نضال كل ذلك باختيار الزواج بالشخص غير المناسب. أما جوليا القادرة على التحايل وزيادة وساوسه بعد اكتشافه أنها "تدسّ في دمه ما يستثير جنونه ويعجّل موته..." أما الأمرّ فهو رغبته في تصديق حلمه بالملكة الأمازيغية التي أطلق عليها "نوميديا" والتي تكتفي بفحيح محرّض نتيجة لأنها كما يصفها "خرساء"، مما يحقق شوفينية رجل يحلم في الوقوع بحب امرأة لا يمكنها الحديث ما يرغمها على إتقان فن الإصغاء. في نهاية أمر الحب: "صار الحب أمرا أقرب إلى المستحيل، فقط لأن قلبي لم يعد يتّسع لأوجاع إضافية".
رسائل سياسية
على الرغم من وجود بعض الإسقاطات المباشرة كمناقشة الجنس في المجتمعات العربية أشبه بمقال اجتماعي، ما هو أشبه بالتنظير ليفسد سحر الرواية وحبكتها الحالمة التي تمازج في سردها بين الواقع والوهم ليختفي الخط الفاصل بينهما، إلا أنه يلاحظ على الرسائل السياسية في الرواية كونها مبطنة تأتي في سياق الحبكة كالتطرق إلى امتداد أطياف البرابرة الجدد، وما هو أشبه بحركات التطرف ما تسبب بشعوره بقلق مزمن ووسوسة ملاحقة المتطرفين له وتهديده، بمن يطلق عليهم مسمى "الظلام"، ورهاب المراقبة وممارسة حق المعاقبة على يد أشخاص يتكرر التوهم بمجيئهم كشبح ذلك الرجل الملتحي.
#2#
فيما يأتي التطرق إلى إخفاقات الاشتراكية وموشحاتها ووصفها بأنها: "كانت مجرد حلم جميل كان علينا أن نكتشف مبكرا أنه مجرد حلم." أما جوليا الأوروبية فهي تجسد الاستعمار بقوة سلطتها وتمكنها من شراء حكاية مراد، وإن لم تستطع الحصول على روحه. مع التطرق إلى الإمبريالية الأدبية والسياسية سعت إلى تكريسها في أذهان الأوروبيين.
انهيار مستفحل
"استوقفني وجهي الذي كان بعيدا وغريبا عني." رواية "نوميديا" تتعمق في العدمية والإحباطات التي تكتنف المرء منذ مولده. هناك استباق للأحداث وإيقان بأن الحياة تنجرف نحو تخوم مأساوية جدا..بأن كل الذين يحبهم يرحلون. هناك حالة تقمص للمخاوف والهواجس واحتقار الذات، وتوق للخلاص، هو المصاب بالصرع والرعاف، كلقيط ملعون ممسوس، ما له إلا الفناء والاندحار إلى الحضيض. "لكن لعنة ما كانت تلحّ عليّ أن أقتفي هذا الجنون إلى آخره". الجنون الذي تسبب بالتباس الحقيقة والخيال وخلق شخصية ونقيضها.. مراد وأوداد، كشخص مصاب بفصام في الشخصية. تتضخم الأنا تارة وتتقلص تارة أخرى من خلال الرؤية من منطلق الذات أو منظور الآخرين له، وكأنه شخص أصابته لوثة من الجنون. حيث يتقلّب الراوي تارة بشكل مباشر يتحدث مراد عن هواجسه، وتارة أخرى من خلال مذكرات خولة، ومن ثم عبر تسجيلات صوت جوليا.
تظهر شخصية مراد دون كيشوتي أو رجل يخطف قلوب النساء بغموضه الساحر. فيما يشعر هو بخذلان الآخرين له منذ ميلاده وحتى اقترابه من النهاية. هناك وصف بديع لذلك القلق النفسي، وما يعتلج في النفس من إحساس بالاختناق ورهاب الآخرين، والاشتباه بخياناتهم أو نظرتهم الدونية له. ما يتسبب بما هو أشبه بحالة انتحار بطيء، هذيان لا نهائي. "أضاعوني، أضاعوا اسمي..."
"ما جدوى الحياة إذا نحن لم نستنزف أجمل ما فيها؟" يظهر الروائي طارق بكاري نفسا جميلا في الرواية قادرا على المزج بين جمال اللغة وشاعريتها بما هو أشبه للغة أحلام مستغانمي بصبغة ذكورية ترفل في محاولة اكتشاف الجسد للوصول إلى معنى الذات، أضف إلى ذلك عمق الحبكة مما يدفع بالرواية لأن تستحق أن تكون من ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر، إلا أن الروائي يوحي بأن بإمكانه إنتاج المزيد من الأعمال الأجمل حبكة والأدق في التفاصيل. إلا أن رواية نوميديا تتعلق بالذاكرة، ويرتبط هذيان مراد بالإخفاقات الملازمة للعشق، فيما تبدو قصته أشبه بهذيان ممتع لإنسان يتناقص ويحتضر ببطء، مع التباس حول كون النزف الذي يصاب به هو أمر جسدي فحسب أم يتعمق بنفسيته. فكل تكهناته المستقبلية سوداوية حتى في حال ارتقائه إلى أعلى. "في الطريق إلى القمة التي لا تفضي إلا إلى هاوية سحيقة".