رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لماذا لا تستجيب الأسعار المحلية للتغيرات العالمية؟

هذا سؤال مهم جدا ويجب أن تعقد المؤتمرات وورش العمل للإجابة عنه، فمنذ سنوات ومؤشرات أسعار الغذاء العالمية تسجل تراجعا صرحت به المنظمات العالمية ذات الشأن ومع ذلك فإن أسعار الغذاء تخالف ذلك وتسجل ارتفاعا، وفي مشهد آخر سجلت أجور النقل البحري العالمية تراجعا كبيرا تجاوز 80 في المائة، ومع ذلك لم ينعكس هذا التراجع في أسعار النقل على أي سلعة منقولة لدينا، وفي مشهد ثالث تقول مؤسسة النقد صراحة إن الأسعار المحلية لا تستجيب للتغيرات في سعر صرف الريال. إذا فالمشهد البانورامي العام للأسعار في المملكة يدل على أن هناك عاملا محركا وموجها لها غير ما تم الحديث عنه حتى الآن، فليس المؤثر هو أسعار تكلفة الشراء ولا أسعار النقل ولا هو سعر الصرف، فما المحرك الأساس للأسعار لدينا وخاصة أنها لم تثبت ارتباطا بأسعار النفط التي ارتفعت وانخفضت وتغيرت ملامح السوق العالمية تماما ونشبت حروب وتوقفت حروب وأسعار الغذاء المحلية تتحرك بصورة مستقلة تماما.
من المعلوم إذا كانت الأسعار لا تتحرك وفقا لنماذج التكلفة فإنه من المحتمل أنها تتحرك وفقا لهيكل السوق، فإذا كانت السوق تحت احتكار مورد واحد فإن الأسعار ستكون حتما وفقا لقراراته فقط، إذا كانت تحت سيطرة تكتل من عدة أفراد فإنها ستتأثر بطريقة بتوزيع السوق فيما بينهم، وإذا كانت سوقا ذات تنافسية كاملة فيجب أن يظهر أثر أسعار التكلفة على قرارات البائعين نظرا لحجم المنافسة على السعر. لا يوجد حتى الآن تصريح يمكن الاستناد إليه لتوضيح هيكل السوق المحلية وهل هي تحت السيطرة أم هي تنافسية؟ لكن من الواضح أنها ليست تنافسية على أي حال وإلا لظهرت آثارها على الأسعار المنخفضة، كما أن هناك حالات أثبت فيها مجلس المنافسة وجود اتفاقيات على الأسعار بين عدد من كبار الموردين لعدة سلع. ومع ذلك فلا يمكن القول إن قطاع التجزئة لدينا تحت السيطرة الكاملة لأنها عالميا تعتبر نموذجا للأسواق التنافسية، فكيف نقول بغير ذلك في السوق السعودية بلا دليل واضح. لكن عدم الاستجابة الذي سجله الكثير من المؤسسات الحكومية والمنظمات المتخصصة يشير إلى مشكلة في مكان ما في هذه السوق ولا بد من العمل على اكتشافها.
هناك أدلة على سيطرة العمالة الوافدة على سوق التجزئة وصلت في بعض التقارير إلى 70 في المائة، ورغم أنه من الصعب القول إن هذا يمثل خطرا على المنافسة، حيث يمكن تحقيق المنافسة في ظل هذه السيطرة، إلا أن عدم استجابة الأسعار للتغيرات يشير إلى أننا في حاجة إلى فهم أعمق لهيكل هذه السيطرة، فلا يكفي القول بسيطرة العمالة الأجنبية بل من المهم معرفة الواقع بشكل دقيق، فما توزيع العمالة الأجنبية حسب الجنسية في سوق التجزئة؟ وهل سوق التجزئة مقسمة بحسب الجنسيات؟ وهل الجنسيات المسيطرة على الأسواق هي نفسها جنسيات دول المنشأ التي يتم التوريد منها؟ ذلك أنه إذا كانت هناك سيطرة لجنسية معينة على سلعة معينة من دولة التوريد حتى تسليمها للمستهلك النهائي لدينا، فإننا نواجه حالة هيكلة اقتصادية لسوق التجزئة معقدة جدا، فنحن قد نستورد أسعار الاحتكار مع السلعة ثم نضيف إليها أسعار احتكار محلية، لهذا يجب أن نتعمق في تحليل السوق المحلية وهيكلة الجنسيات فيها وترابطها مع دول المنشأ للسلع المستوردة.
في هذه القراءة السريعة يجب ألا نغفل دور ارتفاع أسعار العقار في المملكة في تشويه الاقتصاد، فتكلفة الأرض وتكلفة الإيجار السنوية على المحال التجارية ستنعكس حتما على أسعار السلع، ولأن أسعار الإيجار للمحال التجارية بلغت مستويات قياسية فإنها ستنتقل حتما إلى المستهلك النهائي الذي يدفع ثمن فاتورة ارتفاع أسعار العقار وشح المساكن. قد يكون لرسوم الأراضي البيضاء أثر واضح في الأسعار المحلية إذا كان هذا التحليل صحيحا. حتى ذلك الحين فإننا في حاجة إلى رصد شامل وتحليل موسع عن حقيقة الأسباب الكامنة خلف الأسعار المحلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي