تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الابتكار
يعتقد البعض أن الابتكار يأتي بشكل مفاجئ على غرار ما حصل مع أرخميدس عندما صاح "وجدتها"، لكن هذا الطرح ليس دقيقا بالضرورة، فالابتكار يتطلب وقتا وجهدا، فهو عبارة عن عملية متكاملة أكثر من كونه مجرد فكرة مفاجئة، وسنطرح تاليا أربعة مفاهيم خاطئة تشكل عائقا أمام تحقيق ابتكار حقيقي وتطوير مفاهيم وأفكار جديدة.
يأتي في مقدمة الأطروحات الخاطئة حول الابتكار أنه يرتبط فقط بفكرة واحدة كبيرة أو جديدة، لكن الواقع يشير إلى أن ما يجري على أرض الواقع عبارة عن مقاربة ممنهجة أكثر من خلال تكوين أفكار مختصرة وجديدة والبدء منها للوصول إلى الهدف. عند دراسة تجارب الأفراد أو الشركات ممن حققوا إنجازات مهمة في مختلف القطاعات، نرى أن ابتكاراتهم لم تأت نتيجة فكرة واحدة في لحظة حاسمة من حياتهم. فشركة "بكسار" على سبيل المثال، اشتهرت بابتكاراتها في عالم الأفلام المتحركة وسجلت نجاحات مالية عديدة، وتعتمد عملية الابتكار لدى الشركة على طرح عديد من الأفكار من قبل مجموعة متنوعة من الأفراد، ومن ثم يتم اختيار أفضل فكرة والعمل على تطويرها وابتكار شخصيات الفيلم والتوسع في السيناريو ومن ثم إعداد الحبكة السينمائية، وقد تستغرق العملية ثلاث إلى خمس سنوات لإعداد فيلم جديد.
إن الأفراد والمؤسسات ممن يتطلعون لتحقيق الابتكار بحاجة إلى تبني عملية انتقائية لغربلة الأفكار بطريقة ممنهجة، وهنا تبرز "مقاربة القُمع" التي ترتب الأفكار بمستويات متدرجة من الأعلى للأسفل وصولا إلى حزمة مختارة من الأفكار الأفضل لتحويلها إلى مشاريع وتنفيذها بأسرع وقت ممكن.
يكمن التحدي في هذه المقاربة في توسيع فوهة "القُمع" من أجل إدخال معلومات وأفكار جديدة، ومن ثم تضييق قاع القمع من خلال عملية تصفية دقيقة، ما يساعد في استثمار الإمكانات المحدودة لتنفيذيي نخبة الأفكار والمشاريع التي تتمتع بأفضل فرص النجاح.
يكمن الطرح الثاني في أن الابتكار يرتبط بمنتج جديد أو تقنية جديدة، وهو قد يكون كذلك، لكنه يكون أيضا من خلال التركيز على تطوير العمليات والأنظمة داخل الشركة، فابتكار نماذج الأعمال على سبيل المثال يعتمد على تغيير طريقة العمل التقليدية وتطوير مقاربات جديدة يمكنها المساهمة في نجاح الأهداف المحددة للمشروع أو للشركة.
لا يستطيع أحد إنكار الدور المهم الذي لعبه هنري فورد في تطوير صناعة السيارات، لكنه في الواقع لم يخترع أي تقنية جديدة، بل قام بابتكار طريقة جديدة لتصنيع المركبات والمتمثلة في خط تجميع السيارات، أي أنه طور نموذج عمل موحد أحدث ثورة في صناعة السيارات العالمية.
يعالج ابتكار نموذج العمل التحديات الأقل صعوبة مقارنة بالأساليب الأخرى لابتكار المنتجات، ولا يتطلب تقنية جديدة أو فتح سوق لعلامة تجارية جديدة، وبالتالي فهو يحمل مخاطر أقل من ابتكار المنتجات ويمكن تطبيقه في الشركات الصغيرة والكبيرة على حد سواء، وفي القطاعات التي لا تنجح فيها أساليب الابتكار الأخرى، وعادة لا تظهر التغييرات التي يفرضها ابتكار نماذج العمل للآخرين من خارج الشركة، وبالتالي فهو يتميز بصعوبة استنساخه وسهولة استدامته.
أما الطرح الثالث فهو أن الفكرة الجيدة يمكن ملاحظتها فورا، لكن الحقيقة تثبت عكس ذلك، فمن خلال اعتماد أسلوب قياس البيانات لرصد توقعات الأفكار الناجحة، نرى أن التوقعات ضعيفة جدا حتى لدى المختصين في ذات القطاع.
لا يستطيع أحد معرفة كيف ستكون ردة فعل السوق على طرح منتج أو نظام جديد، فالأهم هنا أن يتم اختبار جميع الأفكار وتطوير الأفضل منها واستبعاد الباقي، حيث تعتمد "مقاربة القُمع" المذكورة سابقا على وضع العقبات أمام الأفكار قيد الدراسة لرصد فرص نجاحها إضافة إلى جدواها الاقتصادية، ويجب تحليل الفرضيات الناتجة ودراسة الأفكار من خلال دراسات سوقية وإخضاعها لتحليل التنافسية، وخلال هذه العملية، تكون الطريقة الأفضل للحكم على الأفكار من خلال تحديد مجموعة من الأهداف ليتم تحقيقها.
يتمثل الطرح الرابع في أهمية التمويل لتحقيق الابتكار، فالخطوة التالية بعد إيجاد الفكرة الناجحة عادة ما تكون في الحصول على رأس المال اللازم لتطويرها، وقد يكون ذلك ضروريا في حال وجود فترة زمنية محددة للخروج بأفضل فكرة، لكن اعتماد هذا الأسلوب قد يؤدي إلى إنفاق الكثير من الأموال خلال العملية.
البداية الكبيرة لأي فكرة قد تكون ضرورية في حال تم إثبات أنها الأفضل، لكن الواقع أثبت أن العملية تتطلب عدة مراحل من الاختبارات قبل التأكد من أفضليتها؛ لذا تتميز العمليات ذات التكاليف المحدودة بقدرتها على تغيير وانتقاء الأفكار عبر كل مرحلة من مراحل "مقاربة القُمع"، ويؤدي الاستبعاد التدريجي للأفكار غير الناجحة إلى التركيز أكثر على الأفكار الواعدة.
تكمن الخلاصة في أن الابتكار يتطلب الشجاعة والوقت والثبات، والأهم من ذلك كله، القدرة على تنفيذ الأفكار على أرض الواقع.