أنا خير منه «2»

بعد أن خرجت من أزمة البحث عن مكان أكون فيه أعلى من غيري، توجهت في زيارة لأحد أقاربي، وكأني قد بقي في قلبي بعض شيء من قضية البيان الذي ذكرته بالأمس، فمررت بمسجد يصلي الإمام فيه صلاة العشاء، سمعته يقرأ قوله تعالى "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا".
عندها تيقنت أنني مستهدف من تلك المواقف الرائعة التي تعيد لأي كان توازنه، وترفعه عن البحث عن مكان لذاته بين الذوات، أو يحاول أن يرتفع بنفسه فوق من حوله من الأقران. تستحق هذه التجربة على الرغم من شخصيتها أن أشرك فيها قرائي، من قبيل الدعوة للبعد عن تعظيم أو تقديس ذواتهم لأن الله -سبحانه وتعالى- هو من يعطي ويمنع كل شيء، فلنضع هذه الجزئية بعيدا عن اهتمامنا.
يؤكد هذه النظرية المهمة أن الأمم التي لا يكون فيها تقديس للذوات هي التي تنمو وتحكم وتتحكم في التاريخ. ولنبدأ بسيرة الأنبياء والرسل الذين لم يكونوا يهتمون لموقعهم الاجتماعي أو وظائفهم التي يشغلونها ومع ذلك بقيت سيرهم عطرة وذكراهم تسعد كل من يقرأ عنهم بل يجعل منهم القدوات المستحقة للتتبع والتقليد.
كان منهم النجار وراعي الغنم والتاجر والعامل الجهدي لكنهم خلدوا ولم يخلد كل من استغلوهم أو آذوهم إلا بالذكر السيئ أجارنا الله وإياكم. يدعو هذا إلى توخي البعد عن التفرقة بين الناس بناء على وظائفهم أو أحوالهم المادية.
المجتمع الذي يبني احترامه للشخص على غير ما حدده الله كوسيلة للمفاضلة بين الناس، يفقد مكانه، بل يصبح غنيمة سهلة لكل أعدائه، وليس تاريخ أمتنا عنا ببعيد. فالرعاة الذين عاشوا على الكفاف وكانوا لا يرون في أنفسهم أي فضل أو قدسية مقارنة بمن معهم أو من يخالفهم، الذين كان الواحد منهم يقف أمام الجموع فيخطئه مواطن بسيط، فيوافقه الرأي.
شخص ينام تحت شجرة، ويتوسد حذاءه وجيوشه تفتح عواصم العالم. ثم يذهب ليفتح أكبر عواصم العالم براحلة واحدة يتبادل هو وخادمه ركوبها على مسافة تتجاوز الألف كيلو متر حتى وصل. هؤلاء هم الذين لم يروا لأنفسهم فضلا على غيرهم واهتموا بما يرضي ربهم فرضي عنهم ومكنهم من العالم، هؤلاء من يجب أن نقتدي بهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي