أمبرتو إيكو: «الفكاهة طريقتنا الوحيدة لصون الحقيقة»

أمبرتو إيكو: «الفكاهة طريقتنا الوحيدة لصون الحقيقة»

استطاع الروائي والناقد الإيطالي أمبرتو إيكو الذي توفي مطلع هذا الأسبوع عن 84 عاما، الاستفادة من خبراته وأبحاثه في فلسفة اللغة والنقد وتاريخ الجماليات في القرون الوسطى لكتابة نصه الروائي الساحر "اسم الوردة"، إذ لا يوفر لقارئه المتعة الجمالية فحسب، وإنما تجربة استثائية في تشكيل القاريء النموذجي الذي يشعر بالسعادة متجولا في عوالم سردية تخيلة.

الرواية عند إيكو في المقام الأول واقعة كونية، فمن أجل سرد شيء ما يجب في البداية صنع عالم من الرحابة بحيث يمكن للقراء التحرك داخله بكل حرية. ولا يمكن إنجاز ذلك إلا بكتابة نص مفتوح لا نهائي الاحتمالات لقارئ مستقبلي يبتكر تأويلات مختلفة حسب تعدّد القراء، وبهذه الوصفة الإيكوية يمكن للروائي أن يقول أشياء يعجز الفيلسوف عن وصفها.

يصف إيكو قراءة الرواية بعملية تسلق الجبال: عليك أن تأخذ نفسا وتضبطه على وقع الخطى، وإلا عليك التوقف عن الصعود، "في السرد يستمد وقع التنفس لا من الجمل، وإنما من وحدات أكبر، من مقاطع الأحداث. تتنفس بعض الروايات تنفس الغزلان، وبعضها كالحيتان أو الفيلة. الروايه العظيمة هي الرواية التي يعرف فيها المؤلف دائما متى تتسارع خطاه ومتى يستعمل الكوابح، الرواي يفكر حتى في إيقاع الأصابع وهي تنقر على مفاتيح الطابعة".

يتذكر إيكو في كتابه "تأملات في اسم الوردة" تفاصيل زيارة لكنيسة عتيقة عندما كان في السادسة عشر من عمره، دخل إلى مكتبة مظلمة حيث وجد نسخة من كتاب قديم على الطاولة، "وفي صمت رهيب تصفحت هذا الكتاب الضخم تحت ضوء خافت كان يتسرب من المصباح، وأحسست بما يشبه الرهبة، بعد أربعين سنة، ستنبعث هذه الرهبة في داخلي. لقد بدأت فكرة الرواية في صورة راهب يموت مسموما وهو يقرأ كتابا، هذه كانت البذرة، أما الباقي فجاء بعد ذلك شيئا فشيئا، وأنا أحاول أن أعطي هذه الصورة معنى. لقد انبثق المعنى من تلقاء نفسه بالتدريج، وأنا أبحث في أرشيف جمعته على مدى خمس وعشرين عاما حول "تاريخ القرون الوسطى". صدرت الرواية بعد أن قضى خمسة عشر عاماً في كتابتها، وهو في الخمسين من عمره، وترجمت إلى لغات العالم بعد نجاح الفيلم المقتبس عنها الذي عرض عام 1986م من إخراج المخرج الفرنسي جان جـاك أنّو وبطولة الممثل شون كونري.

الرواية تجري وقائعها في القرن الرابع عشر الميلادي الذي شهد صراعا عنيفا بين البابا يوحنا الثاني عشر والإمبراطور في ذلك الوقت، ونزاعا بين البابا والفرانشسكانيين حول اختلاف طرق تأويلهم للإنجيل. في هذا الأجواء المتوترة يصل راهب فرنشسكاني إنجليزي يدعى جوليالمو دي باسكارفيل، ومساعده البندكتي أدسو من أجل المشاركة في مناظرة مفتوحة ضد حركة هرطقة تهدد السيطرة المطلقة للكنيسة في دير آبينين الشهير، وعند وصولهما تبدأ جثث الرهبان الموتى بالتراكم في سلسلة جرائم وحشية غامضة، يطلب رئيس الدير من باسكارفيل الذي عمل في السابق محققا العثور على القاتل، وتستمر المطاردة على مدار الأيام السبعة التي يقضيها وتلميذه في الدير في مغامرة من التشويق والإثارة، نجح مؤلفها بأسلوبه الفريد في تأليف رواية تاريخية فلسفية بوليسية تعتبر من أجمل الروايات في إيطاليا وأوروبا والعالم.

يبرهن جوليالمو عن ذكاء حاد، ويقترح على أدسو أن يقرأ الرموز التي يراها في كتاب الطبيعة الكبير الذي يوجد فيه جوهر الأشياء، والإنسان منذ القدم يستعمل الحدس للإدراك ومعرفة أسرار الحياة.

توجد في الدير مكتبة عظيمة تشبه المتاهة يستطيع الزائر الدخول إليها، وربما لا يقدر على الخروج منها، وكل جرائم القتل التي وقعت لمغلف الكتب أدالمو والمترجم فينانسيو وأمين المكتبة برنجازيو تدور حول كتاب نادر يريد القاتل الاحتفاظ وحده بأسرار ذلك الكتاب. لكن رئيس الدير يرفض دخولهما إلى المكتبة، فيتسللان إليها ليلا للبحث في خزانات الكتب، ويتصفحان المخطوطات ويتبادلان الحديث حول الاكتشافات الرائعة في قاعات ثرية بالكتب العربية واللاتينية، ويدور النقاش حول الحب وآثاره، ويستشهد الرواي بمقولات ابن سينا والرازي وابن حزم، ويحضر أسماء كتب عربية في علم النبات والطب.

يدافع إيكو على لسان البطل عن حق الإنسان في حرية التفكير والتعبير والاختلاف عن الآخرين، ويرفض الوصاية والسلطة البابوية والرقابة على الكتب في حوار طويل مع الراهب الأعمى المتعصب يورج الذي يعتبر المكتبة مكانا مقدسا لا وقت فيه للمرح أو الضحك الذي يعتبره دليلا على البلاهة، لذلك وضع السم على صفحات كتاب الشعر للمعلم الأول أرسطو حتى لا يطلع أحد على قسم الكوميديا، مفترضا أن الإنسان إذا تعلم السخرية يمكنه التشكيك والمعارضة والاحتجاج على الكهنوت، "كلّ كتاب لذلك الرجل العظيم حطّم جزءا من المعرفة التي جمعتها المسيحية طيلة قرون. كلُ كلمة من كلمات هذا الفيلسوف، أصبح يقسم بها حتى القديسون، هذا الكتاب يمثل صورة العالم، لو أصبح هذا الكتاب مادة للتأويل الحر لتجاوزنا هذا الحدّ الأخير".

صوت باسكارفيل يعبر عن الإيمان المتسامح مع الأفكار الجديدة ضد الانغلاق والجمود واحتكار الحقيقة ، "ربما كانت مهمة أولئك الذين يحبون النوع الإنساني هي أن يجعلوا الناس تضحك من الحقيقة، أو يجعلوا الحقيقة تضحك، لأن الحقيقة الوحيدة تكمـن في تعلـمنا كيفية تحرير أنفسنا من الشوق المجنون إلى الحقيقة". علق إيكو في حوار صحافي حول فكرة الرواية الجوهرية "إن الفكاهة هي الطريقة الوحيدة لصيانة الحقيقة" بقوله: الفكاهة هي طريقة للنجاة، بوسعها أن تكون سلاحاً، ودرعاً في مواجهة الأصولية والتعصب، وبوسعها أيضاً أن تسوّي سجالات المثقفين. لكن لن يكون بوسعها في النهاية حل مشاكل الحياة.

###سيكولوجيا الفاشية

انبثقت من شروحات ابن رشد للفلسفة الأرسطية أنوار العقل في ظلمات القرون الوسطى، وانطلق عصر النهضة والتنوير، لكن كيف ظهرت بعد ذلك النازية والفاشية وتدميرها أوروبا في الحرب العالمية الثانية، أجاب إيكو على هذا التساؤل في ندوة نظمتها جامعة كولومبيا في نيويورك عام 1995، ونشر تحت عنوان الفاشية الأبدية في مجلة نيويورك ريفيو بوكس متذكرا صباح يوم 27 يوليو 1943م، لحظة إعلان القبض على موسوليني "أرسلتني أمي لشراء جريدة. ذهبت لأقرب كشك. وهناك رأيت جرائد كثيرة، لاحظت بعد أن تصفحت عناوينها بسرعة، أن كل صحيفة تتحدث عن شيء مختلف، لقد كانت تحتفل بانتهاء الفاشية وعودة الحرية: حرية الكلام والصحافة والجمعيات السياسية. قرأت هذه الكلمات، حرية دكتاتورية – يا إلهي – لأول مرة في حياتي، وبفضل هذه الكلمات الجديدة ولدت باعتباري إنسانا حرا".

إن الفاشية الأصلية بحسب إيكو لديها القدرة للعودة من خلال أشكال بالغة البراءة، واجب المثقف أن يفضحها، وأن يكشف للناس كل أشكالها دائما وفي أي مكان في العالم.
كانت فاشية موسوليني قائمة على فكرة قائد كاريزماتي وانعزالي، وقائمة على طوباوية القدر الخالد لروما، وعلى شكل إرادة إمبريالية في فتح أراض جديدة، وعلى وطنية شوفينية، وعلى مثال أمة يرتدي كل أفرادها ياقة سوداء وترفض الديمقراطية البرلمانية، كانت نظاما توتاليتاريا يربط كل فعل فردي بالدول وأيدولوجيتها، وكذلك كانت النازية والستالينية نظامين توتاليتاريين.

أكد أيكو في المحاضرة أن الفاشية أول ديكتاتورية يمينية هيمنت على بلد أوروبي، وقدم نظام موسوليني لكل الأنظمة الديكتاتورية ما يشبه النموذج الأصلي المشترك، أول من أوجد شعارا سياسيا وفلكلورا، بل ونمطا في اللباس. ولم تكن متسامحة إطلاقا مع المثقفين، وضعت جرامشي في السجن حتى مات، وألغيت النقابات، ونفيت المعارضة إلى خارج البلاد. 

وأشار إلى الخصائص النوعية للفاشية التي ولدت كرد فعل على العقلانية واستجابة للنزعة التقليدية في رفض العالم الحديث، وكونها لاعقلانية معادية للتفكير والثقافة، وهكذا فإن الثقافة مشكوك فيها دائما لأنها مرتبطة بالمواقف النقدية، فمن تصريح جوبلز"عندما أسمع كلمة ثقافة أخرج مسدسي" إلى التعابير السوقية المألوفة في اتهام المثقفين والإنتلجنسيا. "الفاشية تعتبر الاختلاف خيانة، وتؤمن بالإجماع وتبحث عنه عبر استغلال واستثمار الخوف من المختلفين، فالفاشية إذن عنصرية ".

إن مصدر السيكولوجيا الفاشية هو هوس المؤامرة، يجب أن يحس المريدون أنهم محاصرون، والوسيلة البسيطة لترويجها تكمن في الدعوة إلى كراهية الآخر. ووفق هذا المنظور، تتم تربية الأطفال كي يصبحوا أبطالا، فإذا كان البطل في كل الأساطير كائنا استثنائيا، فإنه يشكل المعيار في الأيديولوجية الفاشية. إن تمجيد البطولة وثيق الارتباط بتمجيد الموت، وإن الموت في نظر الإنسان العادي أمر حتمي يجب مواجهته بكرامة، أما البطل الفاشي، فإنه يتمنى الموت، وفي عجلته تلك، يمكن أن يقتل أناسا كثيرين.

الأكثر قراءة