تحديات توسع الشركات الناشئة
تواجه مرحلة توسع المشاريع والأعمال تحديات أكبر من مرحلة إنشائها.
على غرار معظم رواد الأعمال الناجحين، بدأ باريكشات لاكسميناريان رحلته مع الريادة من خلال رصد فجوة في العرض وأدرك إمكانية ردمها من خلال الاستثمار ومواصلة العمل عليها. خلال دراستها في برنامج الماجستير في "إنسياد"، سافر لاكسميناريان إلى بلده الأصلي ألا وهي الهند بصحبة زملاء الدراسة، ولاحظ أحدهم لدى وصولهم إلى هناك أن الهند على أرض الواقع تختلف كثيرا عما توقعوه، حيث رأوا فيها بلدا نظيفا مملوءا بالمناطق الخضراء ويتمتع بحيوية فريدة من نوعها، ما غير نظرتهم السابقة إليها كبلد حار فقير جاف، وهو في الواقع حقيقة في أجزاء كثيرة من هذا البلد المترامي الأطراف، وفي ضوء هذه التجربة، رصد لاكسميناريان فرصة مشروع تجاري واعدة، إذ إن هناك فجوة كبيرة بين توقعات المسافرين إلى الهند وبين ما يمكن أن تكون الرحلة على أرض الواقع في حال تمت إدارتها بشكل محترف، وكان هناك عديد من شركات السياحة التي توفر جولات سياحية رخيصة الثمن توفر تجربة لمشاهدة الهند بشكل سطحي، إضافة إلى وجود شركات كبيرة تتعاون مع شركاء كبار لتنظيم رحلات فارهة ذات الخمسة نجوم، وكانت هناك فرصة لتوفير خدمة بين هاتين الفئتين من شركات السياحة من خلال تعزيز التجربة السياحية لزوار الهند لتكوين نظرة جديدة عنها.
وبحلول عام 2004، أسس لاكسميناريان مع زميل دراسته الألماني ألكس ميتزلر شركة إنتشانتيج إنديا، أو "الهند الرائعة"، وسرعان ما توسعت الشركة إلى إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، وتحولت إلى شركة متعددة الجنسيات عالمية الانتشار، لكن عملية التوسع لم تكن سهلة، وخلال ندوة "إنسياد" لحوار الأعمال في مدينة بانغالور الهندية تحدث لاكسميناريان أمام مجموعة من رواد الأعمال عن التحديات التي واجهت توسع الشركة، فإلى جانب القضايا التقليدية التي تواجه مثل هذه الحالات مثل الحصول على التمويل الكافي في الوقت المناسب، توصلت الندوة إلى ثلاثة تحديات رئيسة تواجه الشركات المتوسعة، يكمن أولها في تنمية مهارات أعضاء الفريق الأساسي الذي ساهم في تأسيس الشركة، فيما يتمثل الثاني في مواصلة التركيز على الأهداف الأصلية للشركة بالتزامن مع التحلي بالمرونة الكافية لمواجهة الظروف المتغيرة. أما التحدي الثالث فيكمن في الحفاظ على ثقافة ورؤية موحدة مستمرة بالتزامن مع التوسع الجغرافي للشركة.
عندما بدأت شركة إنتشانتيج للسفريات التوسع خارج الهند، لاحظ لاكسميناريان أن مهارات فريق العمل بحاجة إلى التطوير، فعندما توسعت أعمال الشركة خارج نطاق بلد واحد، تغيرت معها استراتيجية التوظيف، حيث لم تعد المهارات التطبيقية الخاصة بعمليات السوق الهندية مناسبة تماما أو قابلة للتطبيق خارج الهند، وفي 2006، وبعد إنشاء فرع متخصص بإفريقيا "إنتشانتج آفريكا"، دخل لاكسميناريان في شراكة مع فلوريان كيلر، وهو رجل يتمتع بخبرة واسعة في إفريقيا ويلقب بـ "موسوعة إفريقيا"، ما يترجم أهمية الخبرة والمعرفة المحلية في توسع الشركات. وتعمل الشركة حاليا في 28 دولة بالاعتماد على موظفين من 17 جنسية.
وخلال الندوة، تحدث جي في رافيشانكار، مدير عام شركة سيكويا كابيتال عن تجربته مع شركة "فيا" المتخصصة في إصدار تذاكر السفر التي استثمرت فيها "سيكويا كابيتال" مبلغا محددا من المال، وأشار إلى أن عامل النجاح الأكبر لتوسع الشركة في آسيا تجسد في قدرة إدارة الشركة على إيجاد نوع من التوازن بين التدخل من قرب في مختلف العمليات بالتزامن مع إعطاء الموظفين صلاحيات ومسؤوليات تساعدهم على الريادة في عملهم. فعلى سبيل المثال، أرسلت الشركة مدير حسابات رفيع المستوى لافتتاح فرع لها في الفلبين، وقوبلت هذه الخطوة بانتقادات وشكوك من قبل المستثمرين في مجلس إدارتها نظرا لعدم تطابق خبرته مع متطلبات العمل في إصدار تذاكر السفر والسياحة، لكنه سرعان ما تولى افتتاح فروع إضافية للشركة في كوريا واليابان.
استعرض بعض المشاركين في الندوة أيضا تطور ثقافة الشركات، حيث تحدث فيكرام تشاتوال، مؤسس ورئيس شركة ميدي أسيست الهندية المتخصصة في إدارة التأمين الصحي، عن النظريات والفرضيات الأساسية التي بنى عليها ثلاث شركات أسسها في حياته من الصفر، إذ أدرك أن توسع أعماله يجب أن يتركز في الهند نظرا لما تعانيه البلاد من تحديات في الرعاية الصحية، لكن الجزء الأصعب كان الالتزام برؤيته الخاصة لمشاريعه، فنظرا للتغير الدائم في متطلبات العملاء ومعطيات السوق إضافة إلى حداثة عهد قطاع التأمين الصحي في الهند، كان من الصعب دائما اتخاذ القرار حول مواصلة الالتزام بالفرضيات الأساسية التي بنيت عليها الشركة أو إعادة تغييرها لمواكبة توجهات ومؤشرات الأسواق.
على الرغم من أهمية المرونة في عمليات التوسع، إلا أن استمرارية الثقافة المؤسسية من ضرورات عمليات التوسع التي تقوم بها الشركات بحسب لاكسميناريان، فعندما بلغ عدد موظفي شركته 100 موظف، بادر بتنظيم ورش عمل خاصة بالرؤية المؤسسية للشركة وتمت مشاركة الآراء بين الإدارة وكل فرد من أفراد فريق العمل لرصد محفزات ورؤية كل منهم وتوجيهها لمواكبة أهداف الشركة. وبعد أن توسعت الشركة لتضم عديدا من الجنسيات وتعمل في عدة أسواق، برزت أهمية إدارة التنوع الثقافي وتوقعات الموظفين من مختلف الجنسيات ودمجها لتكوين ثقافة موحدة لفريق العمل ما ساهم في نمو أعمال الشركة.
اتفق المتحدثون في الندوة على أن عمليات التوسع لا ترتبط فقط بالاستثمار والتمويل فحسب، إذ شكَّل التطوير الدقيق للمهارات والخبرات وتطويرها عوامل أساسية في توسعة أعمال كل منهم، إضافة إلى الحفاظ على تركيز إداري عملي مرن وأيضا الانفتاح والاندماج الثقافي، إذ تتطلب بيئة الأعمال المتغيرة مواصلة الاستماع لمتطلبات العملاء وتلبيتها، وهو ما يهمله الرؤساء التنفيذيون عادة مع مرور الوقت بحسب لاكسميناريان، حيث يوضح أن مديري الشركات المتوسعة التي تمر بمرحلة نمو في عملياتها عادة ما يركزون على القضايا الداخلية والإدارية في الشركة لتعزيز النمو وهيكلة الشركة وإدماج الموظفين الجدد مع باقي فريق العمل، لذا فقد بادر إلى تخصيص 20 في المائة من وقته في العمل للتحدث من العملاء وفهم متطلباتهم واحتياجاتهم.
تشير هذه المعطيات إلى أهمية الالتزام والاهتمام بجميع التفاصيل ودمج هذا التوجه مع بناء الخبرات الأساسية لفريق العمل ،إضافة إلى مرونة نموذج العمل وثقافة الشركة لمواكبة مختلف التغيرات، وتشكل جميع هذه المميزات الفوارق الأساسية بين الشركات الناشئة وبين الشركات النامية التي تتجه لترسيخ مكانتها بين اللاعبين الكبار.