بريطانيا ـــ أوروبا .. الحب المشروط
"إذا خرجنا من الاتحاد الأوروبي، سيكون خروجا ببطاقة ذهاب دون عودة"
ديفيد كاميرون - رئيس وزراء بريطانيا
عاد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون من قمة أوروبية وصلت الليل بالنهار، ليؤكد أنه حصل على ما يمكنه من تسويق بقاء بلاده عضوا في الاتحاد الأوروبي. أراد الحصول على مادة قوية لحملة اقتراع خطيرة، عندما يصوت البريطانيون في حزيران (يونيو) المقبل على مستقبل بلادهم في الاتحاد. ديفيد كاميرون لا يكره الاتحاد الأوروبي، لكن حبه له بشروط، وهذه الشروط لم يحصل عليها من الجانب الأوروبي عبر الهاتف، ولكن بعد مفاوضات مضنية، بلغت حد التهديدات من كلا الجانبين. رئيس الوزراء البريطاني يحمل معه سلاح الخروج، والأوروبيون يحملون سلاح التكتل الذي يسعى إلى التخلص من سياسة الأفضلية. وهذه السياسة على وجه الخصوص، لاقت انتقادات كبيرة من جانب بلدان أوروبية عديدة، ولا سيما ذلك التعامل المتراخي مع بريطانيا.
كان لا بد من التشدد الأوروبي مع المطالب البريطانية في الحصول على المزيد من الامتيازات، ولكن في الوقت نفسه، لا يستطيع الأوروبيون المضي إلى أقصى مدى من التشدد، في وقت لا يتحمل فيه الاتحاد الأوروبي هزة بحجم خروج المملكة المتحدة منه. لقد أظهرت الأزمة الكبرى للاجئين والمهاجرين إلى الاتحاد، أن هذا الكيان ليس منيعا بما يكفي لمواجهة كل الأزمات بصرف النظر عن قوتها. وللمفارقة، يبقى المثل الأعلى لأي دول تسعى لبناء كيان اتحادي مماثل. بمعنى آخر، أن كل الاتحادات والتجمعات الموجودة حاليا على الساحة العالمية ليست متماسكة كما تبدو، وأن أزمة يمكن أن تهزها. ليس أمام الأوربيين إلا التفاهم مع من؟ مع بريطانيا البلد المحوري أوروبيا وعالميا. فهي ليست هامشية كلتوانيا مثلا، ولا مريضة كاليونان.
يعرض ديفيد كاميرون نفسه على الأوروبيين كأوروبي، وفي بلاده يعرض نفسه كبريطاني صلب يدافع عن مصالح المملكة المتحدة مهما كانت التكاليف. وهو بلا شك صادق في الانتماءين، ولا سيما بعد أن ورط نفسه بتنفيذ الاقتراع حول خروج أو بقاء بريطانيا في الاتحاد. فهو سيدخل التاريخ بصورة أعمق سواء جاءت نتائج الاقتراع بالخروج أو البقاء. ليس أمامه سوى الحصول على تسوية. وحصل عليها بالفعل، لكن أيضا ليس كما يرغب تماما، بصرف النظر عما قاله وهو خارج من القمة الأوروبية إن "هذا كاف لكي يوصي بأن تبقى المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. وأن هذه لحظة تاريخية". حصل على معاملة خاصة تمنح بريطانيا هامشا من الحرية في تطبيق القواعد المصرفية والسوقية. لكن مهلا، ستكون هناك مجموعة قواعد واحدة للقطاع المالي داخل الاتحاد الأوروبي. والتسوية، لا تتضمن تمكين البريطانيين من أي حق نقض لقرارات منطقة اليورو، التي لا تنتمي إليها بريطانيا أصلا.
ليس هذا كل ما أراده كاميرون، ولكنه بلا شك امتياز لا تملكه أي دولة ضمن الاتحاد الأوروبي بما فيها الدولتان الكبريان ألمانيا وفرنسا. غير أن ما سيساعد رئيس وزراء بريطانيا في تسويق خيار البقاء في الاقتراع التاريخي المقبل، أن تكاليف الخروج كبيرة جدا، ليس من ناحية الغرامات بالطبع، بل من جهة المجهول القادم. فتراجع العملة البريطانية، وهبوط أسعار الأسهم بقوة، والمخاوف حول العقارات، وتهديد مؤسسات وشركات كبرى بهجر بريطانيا إلى أوروبا، كلها مسائل تدفع المقترع على التفكير كثيرا قبل أن يضع علامته على ورقة الاقتراع. بل حتى القوميين الاسكتلنديين الذين فشلوا في الانفصال عن المملكة المتحدة العام الماضي، هددوا بإجراء استفتاء جديد فيما لو اختارت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي.
تمنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لديفيد كاميرون التوفيق في حملته التي سيقودها للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وفي الواقع كل أوروبا تتمنى بقاء المملكة المتحدة، لأن عضويتها لها قيمة كبيرة، بحسب ميركل نفسها. غير أن الخطر لا يزال قائما حول هذه المسألة. على كاميرون أن ينجح ليس فقط في حملته الداعمة للبقاء فحسب، بل أيضا في تكريس ثقافة الاتحاد الأوروبية ضمن المجتمع البريطاني نفسه. كل الأحزاب الرئيسة في بريطانيا تريد البقاء في الاتحاد، لكن ليس كل الشعب البريطاني يرغب في ذلك. هناك توجهات محلية ضيقة تعاظمت في الواقع في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، وتتطلب وقتا للتخفيف منها. لا يزال لدى كاميرون سلاح قوي، وهو التخويف من ترك الاتحاد. وهو في الواقع بدأ يمارسه دون تسميته.
تمثل الوطنية غير الراشدة أزمة حقيقية لأي بلد كان، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببلد كبريطانيا ذات المصير الأوروبي أحبت ذلك أم كرهته. وهذا النوع من الوطنية ليست حكرا على المملكة المتحدة، بل هو موجود في جميع بلدان الاتحاد بدرجات متفاوتة. لكن يبدو أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ولنقل فشل السياسيين في حل هذه الأزمات بأقل قدر من الخسائر، لا تترك مجالا لتكريس وطنية راشدة.
ستذهب المملكة المتحدة إلى الاقتراع في حزيران (يونيو) المقبل، لتقرر كم هي أوروبية؟ أو كم هي بريطانية. وعلى كاميرون النجاح بشعار بريطانية ـــ أوروبية.