خلل المنافسة في تجارة التجزئة
يعد قطاع التجزئة السعودي واحدا من أكبر أسواق التجزئة في المنطقة، حيث يتجاوز حجمه 370 مليار ريال وبمعدل 8 في المائة سنويا، ويمثل قطاع الأغذية نحو 44 في المائة من حجم هذا القطاع بما يعادل 160 مليار ريال سعودي. ومن الطبيعي أن يكون لقطاع بهذا الحجم جاذبية استثمارية، ونظرا لأنه غير منظم كما أشار إلى ذلك عدد من المختصين في عدة تقارير صحافية، فإن النتيجة هي سيطرة العمالة الوافدة على هذا القطاع بنسبة تفوق 70 في المائة.
يصنف قطاع التجزئة في معظم الاقتصادات على أنه قطاع تنافسي بدرجة عالية، ولهذا فمن الصعب على أي طرف يعمل في هذا القطاع أو يشتري منه أن يؤثر في اتجاهات الأسعار، فالأصل أنه لا يوجد تكتل من البائعين في هذا القطاع ولا حتى تكتل من المشترين. لكن الشواهد في المملكة تفرض علينا أن نعيد فهمنا لما يحدث في هيكل هذا القطاع. فإذا كانت سوق تجزئة المواد الغذائية تشكل ما يقرب من نصف حجم هذا القطاع، وبينما تنخفض أسعار الغذاء العالمية في كل مكان من حولنا فإننا نلاحظ عدم تأثر الأسعار لدينا بما يتناسب مع الاتجاهات العالمية، وهذه النتيجة تم تقريرها في عدد من التحليلات التي رصدتها "الاقتصادية"، وهي نتيجة لا تنسجم بتاتا مع نظرية التنافسية الكاملة المطروحة في تجارة التجزئة. فالمحافظة على الأسعار المرتفعة تدل على وجود تكتل ما في هذا القطاع مكن البائعين من السيطرة على الأسعار، وهذا يتطلب من مجلس المنافسة ومن هيئة حماية المستهلك ووزارة التجارة فحص هيكل هذه السوق على حقيقتها وفهم المحركات الأساسية للأسعار فيها.
من الواضح جدا وفقا للتقارير الإعلامية أن هناك سيطرة من العمالة الأجنبية على هذه السوق، حيث وصلت كما أشرنا إلى أكثر من 70 في المائة، وهي نسبة مرتفعة جدا، وهناك تكتلات فيما بين هذه العمالة المسيطرة لاحتكار السوق من خلال رفع أسعار المحال التجارية والمزايدة عليها لمنع الشباب السعودي من دخول هذه السوق، ما جعل من المستحيل تقريبا أن تتوافر مساحات للمحل التجاري، في الشوارع المهمة، حتى للشركات الكبيرة في هذا القطاع. فالمحال ذات المساحات الكبيرة تمت السيطرة عليها وتفتيتها إلى محال (كانتونات) أصغر للسيطرة وإقحام مزيد من العمالة للإيهام بالمنافسة بينما السوق في حقيقتها تحت السيطرة والاحتكار، كما أن هذه الأساليب أدت إلى ارتفاع إيجار المحال التجارية في كثير من المواقع والمدن حتى أصبح الحصول على المحل المناسب ودفع إيجاره من العوائق الرأسمالية الكبيرة التي تواجه الداخلين الجدد للسوق من الشباب السعودي المبادر، وهي عوائق جعلت من الصعب حتى على الشركات الكبرى في التجزئة أن تجد لها مواقع دون تحمل تكاليف باهظة جدا لا يبررها دخل المحل، وهذه الأساليب التجارية غير النظامية تتم تحت ظاهرة أخرى أشد خطرا منها وهي ظاهرة التستر التي تجد في سوق التجزئة مرتعا خصبا لها، فرغم سيطرة العمالة الأجنبية على كل هذه التجارة الكبرى التي تصل إيراداتها إلى المليارات إلا أن الخزانة العامة للدولة لا تستفيد من ذلك حيث لا يقوم هؤلاء الأجانب بدفع الضرائب على هذه التجارة مستفيدين من غطاء التستر. وعلى هذه النتيجة فإن سوق التجزئة في المملكة تعاني تأثيرات اقتصاد الظل، فهي سوق لم تعد تخضع لرقابة حكومية صارمة، وهناك كثير من الدهاليز في عمليات البيع والشراء والتهرب الضريبي، بل حتى غسل الأموال في هذه السوق.
نحتاج إلى جهد كبير لتنظيم أسواق التجزئة في المملكة، كما نحتاج إلى توازن بين العمالة الأجنبية والسعودية فيها. وهذا سيقتضي منا مراقبة واسعة وتطوير أساليب كشف التستر، كما يجب اعتماد تسهيلات واسعة للسعوديين للانخراط في هذه السوق. كل هذه الإجراءات وغيرها مما نحتاج إليه لتصحيح مسار المنافسة في هذه السوق ما يعزز قدرتها على الاستجابة للتغيرات في الطلب والعرض بصورة أفضل مما هو عليه الآن.